ابن أبي أصيبعة

51

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال : وحدثني من أثق إليه أنه دخل الأطباء ليهنئوه بوروده وسلامته ، فقال له " أبو الحسين بن كشكرايا " « 1 » ، تلميذ سنان « 2 » : يا أبا عيسى ، زرعنا وأكلت ، وأردناك تبعد ؛ فازددت قربا ، لأنه كان كما تقدم ذكره . فضحك " جبريل " من قوله ، وقال له « 3 » : ليس الأمور إلينا ، بل لها مدبر وصاحب . وأقام ببغداد مدة ثلاث سنين . واعتل " خسرو شاه بن مبادر " ملك الديلم ، وآلت « 4 » حاله إلى المراقبة ، ونحل جسمه وقوى استشعاره ، وكان عنده اثنى عشر طبيبا من الري ، وغيرها ، وكلما « 5 » عالجوه ازداد مرضه ؛ فأنفذ إلى " الصاحب " يلتمس « 6 » منه طبيبا . فقال : ما « 7 » أعرف من يصلح لهذا الأمر إلا " أبو عيسى جبريل " . فسأله مكاتبته لما بينهما من الأنس ، وكاتب " عضد الدولة " يسأل « 8 » إنفاده ، ويعلمه أن حاله قد حالت « 9 » إلى أمر لا يحتمل الونية « 10 » في ذلك . فأنفذه مكرما . « فلما وصل » « 11 » إلى الديلمي ، قال له : ما أعالجك أو ينصرف من حولك من الأطباء . فصرف الأطباء مكرمين ، وأقام عنده ، وسأله أن يعمل في صورة المرض مقالة يقف على حقيقته ، وتدبير يختاره ويعول عليه ، فعمل له مقالة ، ترجمها في ألم الدماغ بمشاركة فم المعدة ، والحجاب الفاصل بين آلات الغذاء ، وآلات التنفس المسمى « ذيافرغما » « 12 » . ولما اجتاز بالصاحب سأله عن أفضل اسطقسات البدن ، فقال : هو الدم . فسأله أن يعمل له في ذلك كتابا يبرهن عليه فيه ؛ فعمل « في ذلك » « 13 » مقالة مليحة ، بين فيها البراهين التي تدل على هذا . وكان في هذه المدة مستعجلا « لعمل » « 14 » كناشه الكبير . ولما عاد إلى ( بغداد ) ، وكان " عضد الدولة " ، قد مات ، فأقام ببغداد سنتين مشتغلا بالتصنيف ، فتم كناشه الكبير ، وسماه " بالكافي " بلقب " الصاحب ابن عباد " لمحبته « له » « 15 » ، ووقف منه نسخة على دار « العلم » « 16 » ببغداد ، وعمل كتاب المطابقة بين قول الأنبياء والفلاسفة ، وهو كتاب

--> ( 1 ) هو أبو الحسن بن كشكرايا ، المعروف بتلميذ سنان ، من كبار الأطباء المعروفين ببغداد ، وكان فاضلا متقنا لعلم الطب ، خدم " عضد الدولة بن بويه " ، ومن قبله " سيف الدولة بن حمدان " ، وجعله " عضد الدولة " على بيمارستانه الذي بناه ، وله من الكتب : كناشان : الأول يسمى الحاوي ، والآخر باسم من وضعه له . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 263 ، العلوم العملية في العصور الإسلامية لعمر رضا كحالة : 27 . ( 2 ) هو أبو سعيد سنان بن ثابت بن قرة الحراني ، من كبار الأطباء المهرة ، وعالم من علماء علم الهيئة ، وكان يخدم من الخلفاء : " المقتدر بالله " ، و " القاهر بالله " ، و " الراضي بالله " ، وكان هو مؤسس البيمارستان المقتدرى ، وبيمارستان السيدة ، وكان رئيس أطباء بغداد ، وله كتب منها : رسالة في الفرق بين المترسل والشاعر ، ورسالة في أيام الجمعة على الكواكب السبعة ، وغيرها ، وكانت وفاته ببغداد سنة 331 ه 942 م . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 130 ، الفهرست لابن النديم : 600 ، ثابت بن قرة الحراني الطبيب والمترجم لعلى حسين الشطشاط : 35 . ( 3 ) ساقط في ج ، د . ( 4 ) في ج ، د : " وآل " . ( 5 ) في ج ، د : " فقط " وكلما " . ( 6 ) في ج ، د : " له " . ( 7 ) في ج ، د : " لا " . ( 8 ) في ج ، د : " يسأله " . ( 9 ) في طبعة مولر : " آلت " . ( 10 ) في ج ، د : " الرتبة " . ( 11 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 12 ) في أ : " ديان فرغما " ، والمثبت من ج ، د . ( 13 ) في أ : " فيه " ، والمثبت من ج ، د . ( 14 ) في أ : " يعمل " ، والمثبت من ج ، د . ( 15 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 16 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د .