ابن أبي أصيبعة
48
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وقرأ على " يوسف الواسطي " الطبيب ، ولازم البيمارستان والعلم والدرس ، وكان يأوى إلى أخوال له يسكنون « 1 » بدار الروم ، وكانوا يسيئون عشرتهم عليه ، ويلومونه على تعرضه للعلم والصناعة ، ويمجنون معه « 2 » ، ويقولون : يريد « أن » « 3 » يكون مثل جده " بختيشوع " ، و " جبريل " ما يرضى « أن » « 4 » يكون مثل أخواله ، وهو لا يلتفت إلى أقوالهم . واتفق أن جاء رسول من ( كرمان ) « 5 » إلى " معز الدولة " « 6 » ، وحمل له الحمار المخطط ، والرجل الذي كان طوله سبعة أشبار ، والرجل الذي كان طوله شبرين . واتفق أنه نزل في قصر فرج « 7 » من الجانب الشرقي قريبا من الدكان الذي كان يجلس عليه والدي " جبريل " ، وصار ذلك الرسول يجلس عنده كثيرا ويحادثه ويباسطه . فلما كان في بعض الأيام ، استدعاه وشاوره « في الفصد » « 8 » ، فأشار به وفصده ، وتردد إليه يومين ، فأنفذ له على رسم « 9 » ( الديلم ) الصينية التي كانت فيها العصائب والطشت والإبريق ، وجميع الآلة . ثم استدعاه ، وقال : ادخل إلى هؤلاء القوم ، وانظر ما يصلح لهم ، وكان مع الرسول جارية يهواها ، قد عرض لها نزف الدم ، ولا يبقى بفارس ولا بكرمان ولا بالعراق طبيب مذكور إلا وعالجها ، ولم ينجع فيها « العلاج » « 10 » ، فعند ما رآها ، رتب لها تدبيرا ، وعمل لها « معجونا » « 11 » وسقاها إياه ، فما مضى عليها أربعون يوما حتى برئت وصلح جسمها . وفرح الرسول بذلك فرحا عظيما ، فلما كان بعد مديدة « 12 » استدعاه ، وأعطاه ألف درهم ، ودراعة سقلاطون ، وثوبا « نوتيا » « 13 » ، وعمامة قصب ، وقال له : طالبهم بحقك ، فأعطته الجارية ألف درهم وقطعتين من كل نوع من الثياب ، وحمل على بغلة بمركب ، واتبع ذلك بمملوك زنجي ، فخرج وهو أحسن حالا من أحد أخواله .
--> ( 1 ) في ج ، د : " يسكون " . ( 2 ) في ج ، د : " به " . ( 3 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 4 ) في طبعة مولر : " إلى مثل " . ( 5 ) كرمان : ولاية كبيرة وإقليم واسع ، بين فارس ومكران وسجستان وخراسان ، وبها كثير من القرى والمدن ، وهي كثيرة الزرع والأشجار ، فتحها أبو موسى الأشعري ، وصالح أهلها ، ولكنهم ما لبثوا أن نقضوا عهودهم ، فأرسل إليهم مجاشع بن مسعود ، فأقطع أرضها للعرب ، ومن بها مسلمون على مذهب أهل السنة والجماعة . انظر : معجم البلدان : 4 / 515 . ( 6 ) هو أبو الحسين " أحمد بن بويه بن فنا خسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركوه الديلمي " المعروف بمعز الدولة بن بويه ، ويشتهر بالأقطع لقطع يده اليسرى في إحدى المعارك ، أمير فارسي ، تملك الأهواز في عهد المستكفى بالله سنة 334 ه ، ودام ملكه 20 سنة ، وكان شيعي المذهب ، وكانت وفاته سنة 356 ه ، وعمره 53 سنة . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 174 ، الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 6 / 278 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 16 / 189 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 3 / 18 . ( 7 ) في ج ، د : " فرح " ، وفي طبعة مولر : " فرخ " . ( 8 ) في أ : " بالفصد " ، والمثبت من ج ، د . ( 9 ) في ج ، د : " رأس " . ( 10 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 11 ) في أ : " معجونات " ، والمثبت من ج ، د . ( 12 ) في طبعة مولر : " مدة " . ( 13 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د ، وفي طبعة مولر : " توثيا " .