ابن أبي أصيبعة

44

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وقال " أبو الريحان البيروني " « 1 » في كتاب " الجماهر في الجواهر " « 2 » : أن " المتوكل " جلس يوما لهدايا النيروز « 3 » ، فقدم إليه كل « علق » « 4 » نفيس ، وكل طريف فاخر ، وأن طبيبه " بختيشوع بن جبريل " دخل وكان يأنس به ، فقال له : ما ترى في هذا اليوم ؟ فقال : مثل « جرباشات » « 5 » الشحاذين ؛ إذ ليس « 6 » قدر ، وأقبل على ما معي ، ثم أخرج من كم درج أبنوس مضبب بالذهب « 7 » ، وفتحه عن حرير « 8 » أخضر ، فكشف عن « ملعقة » « 9 » كبيرة جوهر ، لمع منها شهاب ، ووضعها بين يديه . فرأى " المتوكل " ما لا عهد له بمثله ، وقال : من أين لك هذا ؟ قال : من الناس الكرام . ثم حدث أن صار إلى أبى ، من " أم جعفر زبيدة " ، في ثلاث مرات ، ثلاثمائة ألف دينار ، بثلاث شكايات عالجها « فيها » « 10 » ، واحدتها أنها شكت عارضا في حلقها ، منذرة بالخناق « 11 » ، « فأشار عليها » « 12 » بالفصد والتطفئة والتغذى « بحسب » « 13 » وصفه . فأحضر على نسخته « 14 » في غضارة صينية عجيبة الصفة ، وفيها هذه الملعقة ، فغمزني أبى على رفعها ، ففعلت ولفقتها في طيلسانى وجاذبنيها الخادم . فقالت له : لاطفه ومره بردها ، وعوضه عنها « 15 » عشرة آلاف دينار « 16 » ، فامتنعت . وقال أبى « 17 » : يا ستى إن ابني لم يسرق قط ، فلا تفضحيه في أول كراته ، لئلا ينكسر قلبه . فضحكت ووهبتها له .

--> ( 1 ) هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني ، من كبار علماء القرن الرابع الهجري ، في الرياضيات ، والفلك ، وعلوم النجوم ، والطب ، والصيدلة ، والكيمياء ، وعلم الأحجار ، والبيروني فارسي الأصل ، ولد في خوارزم سنة 362 ه 973 م . وقيل في بيرون بالسند ، وله من الكتب : كتاب الجماهر ، وكتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية ، وكتاب مقاليد الهيئة ، وكتاب الصيدنة ، وكتاب القانون المسعودي ، وغيرها . انظر في ترجمته : تاريخ الحكماء للشهرزورى : 419 ، 348 ، تاريخ العلوم عند العرب لعمر فروخ : 417 ، أعلام العرب في الكيمياء لفاضل أحمد الطائي : 217 ، الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب لمحمد كامل حسين : 400 . ( 2 ) يبدأ البيروني كتابه الجماهر بعشر ترويحات يتحدث فيها عن حواس الإنسان ، وفعل كل حاسة ووظيفتها ، والمخلوقات ، وخلق الإنسان من نفس واحدة ، وضبط النفس وتهذيبها ، وعن الغريزة الجنسية واللذة والمتعة ، والنظافة ، وغير ذلك ، ويتحدث في الكتاب عن مختلف أنواع المعادن ، منها الياقوت وأنواعه ، والذهب والفضة ، والزمرد ، وأنواع النباتات وألوانها وزراعتها ، انظر : أعلام العرب في الكيمياء لفاضل أحمد الطائي : 247 . ( 3 ) النيروز : كلمة فارسية تعنى اليوم الجديد ، وهو أكبر أعياد الفرس القومية ، وهو أول يوم من السنة الشمسية الإيرانية ، ويوافق اليوم 21 من شهر مارس من السنة الميلادية . انظر : المعجم الوسيط : 2 / 1000 . ( 4 ) في أ : " كلف " ، وفي ج ، د : " علن " ، والمثبت من طبعة مولر . ( 5 ) في أ : " حرماسات " ، ج ، د : " حراسبات " ، والمثبت من طبعة مولر . ( 6 ) ساقط في ج ، د . ( 7 ) الذهب : معدن نفيس ، وهو سيد المعادن كلها ، وطبيعته لطيف ، ويدخل في علاج بعض الأمراض ، ويستخدم حلى للنساء ، ويدخل في صناعة النقود الذهبية ، ويكثر وجوده في مياه المحيطات والبحار ومجارى الأنهار وصخور الجبال . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 1 / 418 . ( 8 ) الحرير : خيط دقيق تفرزه دودة القز ، ويصنع منه الملابس الجميلة ، ومنه حرير صناعي عبارة عن ألياف تتخذ من عجينة الخشب أو نسالة القطن . انظر : المعجم الوسيط : 1 / 172 . ( 9 ) في أ : " لمعة " ، والمثبت من ج ، د . ( 10 ) في أ ، ج ، د : " منه فيها " ، والمثبت أولى . ( 11 ) الخناق : كل داء يصيب الإنسان ، ويمتنع معه نفوذ النفس إلى الرئة ، مما يسبب الوفاة . انظر : المعجم الوسيط : 1 / 269 . ( 12 ) في أ : " فشاغلتها " ، والمثبت من ج ، د . ( 13 ) في أ ، ج : " يحسو " ، والمثبت من د . ( 14 ) في ج ، د : " نسجة " . ( 15 ) في ج ، د : " منها " . ( 16 ) في أ : " درهم " . ( 17 ) في ج ، د : " يا أبى " .