ابن أبي أصيبعة
45
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وسئل عن الأخرتين ، فقال : إنها اشتكت إليه النكهة بأخبار إحدى بطانتها إياها ، « وذكرت » « 1 » أن الموت أسهل « 2 » عليها من ذلك ؛ فجوعها إلى العصر ، وأطعمها سمكا ممقورا ، وسقاها « 3 » دردى نبيذ دقل « 4 » بإكراه ، فغثت نفسها ، وقذفت . وكرر ذلك ثلاثة أيام ، ثم قال لها : تنكهى في وجه من أخبرك « بذلك » « 5 » ، واستخبريه هل زال . والثالثة : أنها أشرفت على التلف من فواق « 6 » شديد كان يسمع من خارج الحجرة ، فأمر الخدم بإصعاد جوابي إلى سطح الصحن ، وتصفيفها حوله « 7 » على الشفير وملأها ماء ، وجلس خادم خلف كل جب ، حتى إذا صفق بيده على الأخرى دفعوها دفعة إلى صحن « 8 » الدار ففعلوا ، وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها ، فوثبت وزايلها الفواق . قال أبو علي القيانى : حدثني أبى قال : دخلت يوما إلى بختيشوع ، وكان من أيام الصيف ، وجلست ، فإذا هو قد رفع طرفه إلى خادمه ، وقال له : هات ! فجاء بقدح فيه « نحو » « 9 » نصف رطل شراب عتيق ، وعلى طرف « 10 » خلاله ذهب « شئ » « 11 » أسود ، فمضغه ثم شرب الشراب عليه ، وصبر « 12 » ساعة ورأيت وجهه يتقد كالنار ، ثم دعا بأطباق فيه خوخ جبلى « 13 » في نهاية الحسن . فأقبل يقطع ويأكل حتى انتهى ، وسكن تلهبه وعاد وجهه إلى حاله . فقلت له : حدثني بخبرك ، فقال : اشتهيت الخوخ شهوة شديدة وخفت ضرره ، فاستعملت الترياق والشراب حتى « نقرت » « 14 » الحجر ليجيد الطحن ، وقال " أبو علي القباني " ، عن أبيه ، قال : حدثني " محمد بن داود بن الجراح " « 15 » ، قال : كان " بختيشوع " المتطيب « 16 » صديقا لأبى ، وكان لنا نديم ، كثير الأكل عظيم الخلق ، فكان كلما رآه ، قال له : أريد أن تركب لي شربة وأبرمة ، إلى أن وصف له دواء فيه شحم الحنظل « 17 » وسقمونيا .
--> ( 1 ) في أ : " وسألت " ، والمثبت من ج ، د . ( 2 ) في ج ، د : " أهون " . ( 3 ) في ج ، د : " وأسقاها " . ( 4 ) ساقط في ج ، د . ( 5 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 6 ) الفواق : تقلص فجائى للحاجب الحاجز ، يحدث شهقة قصيرة يقطعها تقلص المزمار ، وقيل : حركة الطبقة الداخلة من المعدة ، وتلك الحركة مركبة من تشنج انقباضى للهرب من المؤذى وتمدد انبساطي لدفع ذلك المؤذى . انظر : كتاب التنوير في الاصطلاحات الطبية لأبى منصور القمرى : 24 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 270 . ( 7 ) في ج ، د : " حولها " . ( 8 ) في طبعة مولر : " وسط " . ( 9 ) إضافة من ك . ( 10 ) في ج ، د : " طرفه " . ( 11 ) في أ : " مى " ، والمثبت من باقي النسخ . ( 12 ) في ج ، د : " وصبرت " . ( 13 ) الخوخ : شجرة من الفصيلة الوردية من أشجار الفواكه ، وثمره جيد للمعدة الحارة والعطش ، ويزيد في الباه ، ويطفئ الحرارة ، وينفع المحموم ، وهو من الأدوية المسهلة ، ويستخدم في قتل الديدان ، وهو ردئ بعد الطعام ؛ لأنه رطب ، مما يفسد الطعام في المعدة . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 2 / 355 . ( 14 ) في أ ، ج ، د : " يقرب " ، والمثبت من ك . ( 15 ) هو محمد بن داود بن الجراح ، وزير عبد الله بن المعتز ليوم واحد ، وكان قد رتب خطة لاغتيال " المقتدر بالله العباسي " سنة 296 ه ، وقام بالتواطئ مع بعض القادة على ذلك ، ولكن خططه فشلت بفضل مؤنس الخادم ، الذي قبض عليه وقتله ، وله من الكتب : كتاب الورقة في أخبار الشعراء ، وكتاب الوزراء ، وغيرها . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان : 3 / 426 ، الفهرست لابن النديم : 251 . ( 16 ) في طبعة مولر : " الطبيب " . ( 17 ) الحنظل : نبات حولى من فصيلة القرعيات ، وأوراقه كورق القثاء ، ومنه أنواع ، منها البرى والزراعى ، وأزهاره -