ابن أبي أصيبعة

42

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ثم حسده " حمدون " ، ووشى إلى " المتوكل " ، وبذل فيما بقي « في » « 1 » يده مما ابتاعه ، ستة آلاف دينار ، « فأجيب إلى » « 2 » ذلك وسلم إليه ، فباعه بأكثر من الضعف ، وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين للهجرة . وقال قينون الترجمان : كان " المعتز بالله " « 3 » قد اعتل في أيام " المتوكل " علة من حرارة ، وامتنع معها من أخذ « 4 » شئ من الأغذية والأدوية ، فشق ذلك على " المتوكل " كثيرا واغتم به . وصار إليه " بختيشيوع " « 5 » ، والأطباء عنده ، وهو على حاله في الامتناع ، فمازحه وحادثه ، فأدخل " المعتز " يده في كم جبة وشى يمان مثقلة كانت على " بختيشوع " ، وقال : ما أحسن هذا الثواب ! ؛ فقال له " بختيشوع " : يا سيدي ، والله ما له نظير " في الحسن " « 6 » ، وثمنه على ألف دينار ، فكل لي تفاحتين وخذ الجبة . فدعا بتفاح فأكل اثنتين ، ثم قال له : تحتاج يا سيدي الجبة إلى ثوب معها ، وعندي ثوب هو أخ لها ، فأشرب لي شربة سكنجبين وخذه . فشرب شربة سكنجبين » « 7 » ، ووافق ذلك اندفاع « 8 » طبيعته ، فبرأ المعتز ، وأخذ الجبة والثوب ، وصلح من مرضه ، فكان " المتوكل " يشكر أبدا هذا الفعل لبختيشوع . وقال ثابت بن سنان " بن ثابت " « 9 » : إن " المتوكل " اشتهى في بعض الأوقات الحارة أن يأكل مع طعامه خردلا ، فمنعه الأطباء من ذلك ، لحدة مزاجه وحرارة كبده ، وغائلة الخردل « 10 » ، فقال بختيشوع : أنا أطعمك إياه ، وإن ضرك على ! فقال : افعل ! فأمر بإحضار قرعة « 11 » ، وجعل فيها طينا ، وتركها في تنور ، واستخرج ماءها ، وأمر بأن يقشر الخردل ويضرب بماء القرع .

--> ( 1 ) في أ : " من " ، والمثبت من ج ، د . ( 2 ) في أ : " فأجيب " ، والمثبت من ج ، د . ( 3 ) هو أبو عبد الله " الزبير بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن المهدى ، المعروف بالمعتز بالله ، أمير المؤمنين ، ولد سنة 232 ه ، وبويع بالخلافة بعد " المستعين بالله " ، وعمره 20 سنة ، وكان ضعيفا مغلوبا على أمره ، وكان الأتراك يسيطرون على الأمور في عهده ، وما لبثوا أن قتلوه ، سنة 255 ه ، وعمره 23 سنة . انظر في ترجمته : الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 2 / 291 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 12 / 532 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 130 . ( 4 ) في ج ، د : " أكل " . ( 5 ) في ج ، د : " بختيشوع يتردد " . ( 6 ) ساقط في ج ، د . ( 7 ) ساقط في أو الإضافة من ج ، د . ( 8 ) في ج ، د : " انسهال " . ( 9 ) ساقط في ج ، د . وهو أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الحراني ، كان طبيبا ومؤرخا كبيرا ، من أسرة الصابئة المعروفة بالطب والفلسفة والفلك ، درس الأدب والهندسة ، والمنطق ، والرياضيات ، والطب ، وخدم بالطب " القادر بالله " و " المكتفى بالله " ، والمطيع لله ، كما تولى بيمارستان " ابن الفرات " في بغداد ، وكان أبو الحسن بارعا في شرح الكتب ، وله كتاب في أخبار مصر والشام ، وكانت وفاته سنة 365 . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 314 ، طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 80 ، إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 260 ، الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 10 / 463 . ( 10 ) الخردل : نبات عشبى حريف على نوعين : الأبيض والأسود ، ينبت في الحقول ، وعلى حواشي الطرق ، وتستعمل بذوره في الطب ، ويتبل به الطعام ، وطبعه حار يابس ، يقطع البلغم ، وينقى الوجه ، ويحلل الرطوبات من الرأس والمعدة ، وينفع من وجع الكبد والطحال . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 2 / 318 ، المعجم الوسيط : 1 / 233 . ( 11 ) القرع : نبات معروف ، طبعه بارد ، يؤكل مسلوقا أو مطبوخا ، وعصارته تسكن وجع الأذن الناتج عن الورم ، وينفع وجع الأسنان ، وهو مولد للبلغم ، ويسكن اللهيب والعطش ، وينفع أصحاب الأكباد الحارة ، وينفع السعال . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 2 / 251 .