ابن أبي أصيبعة
352
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وكان طبيبه " أبو الخير المسيحي " وكان شيخا حسنا مسنّا ، وقد خدمه مدة طويلة « 1 » ، وكان " متقنا للصناعة خبيرا بها " « 2 » ، ومات وقد قارب المائة سنة ، فاشتد « 3 » به المرض وضجر من العلامات الطبية ، فأشير بأن تشق المثانة لإخراج الحصاة ؛ فسأل عن " أحذق الجراحيين " « 4 » ، فأخبر برجل منهم يقال له " ابن عكاشة " ، من ساكنى الكرخ « 5 » ، بجانب بغداد الغربى ، فأحضر وشاهد العضو العليل « 6 » ، وأمره « 7 » ببطه ، فقال : أحتاج أن أشاور مشايخ الأطباء في هذا . فقال له : من تعرف في بغداد « 8 » من صالحي هذه الصناعة ؟ فقال : يا مولانا أستاذي وشيخى " أبو نصر بن المسيحي " ، ليس في البلاد بأسرها من يماثله . فقال له الخليفة : اذهب إليه ، وأمره بالحضور ، فلما حضر ، خدم وقبل الأرض ، فأمره بالجلوس فجلس ساعة ولم يكلمه ، ولم يأمره بشئ ، حتى سكن روعه . فلما أنس منه ذلك ، قال له : يا أبا نصر ، مثل نفسك أنك قد دخلت إلى البيمارستان ، وأنت تباشر " به مريضا قد ورد " « 9 » من بعض الضياع ، وأريد أن تباشر مداواتى وتعالجنى من « 10 » هذا المرض ، كما تفعل بمن هذه صفته ، فقال : السمع والطاعة ، ولكنني أريد « 11 » أن أعرف من هذا الطبيب المتقدم ، مبادئ المرض وأحواله وتغيراته ، وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن . فأحضر الشيخ " أبو الخير " ، وأخذ يذكر له " ابتداءات المرض وتغير " « 12 » أحواله وما عالج به « 13 » في أول « 14 » المرض ، وإلى آخر وقت . فقال : التدبير صالح ، والعلاج مستقيم ، فقال الخليفة : هذا الشيخ أخطأ « 15 » ولا بد لي من صلبه ، فقام " أبو نصر بن المسيحي " وقبل الأرض ، وقال : يا مولانا بحق نعمة الله عليك ، وبمن « 16 » مضى من أسلافك الطاهرين ، لا تسن على الأطباء بهذه السنة ، وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير ، ولكن بسوء حظه لم ينته المرض . فقال : قد عفوت عنه ولكن لا يعود " يدخل على " « 17 » ، فانصرف .
--> ( 1 ) في ج : " كثيرة " . ( 2 ) في باقي النسخ تقديم وتأخير ، وفي أ : " . . . للصناعة الطبية . . . " . ( 3 ) في أ ، ج : " فامتد " . ( 4 ) في أ : " حذاق الجرائحيين " ، ج : " حذاق الجراحين " ، ك : " أحذق الجراحين " . ( 5 ) يطلق اسم الكرخ على عدة بلدان إسلامية ، ومنها : كرخ البصرة ، وكرخ بغداد ، وكرخ جدان ، وكرخ الرقة ، وكرخ سامراء ، وكرخ ميسان ، وكرخ خوزستان ، وكرخ عبرتا . ( 6 ) في ب : " والعليل " . ( 7 ) في أ : " وأمر " . ( 8 ) ساقط في ب . ( 9 ) في أ : " فيه مريضا ورد " . ( 10 ) في أ ، ج : " في " . ( 11 ) في أ ، ج : " أحتاج " . ( 12 ) في ج : " ابتداء . . . . وتغيرات " . ( 13 ) ساقط في أ . ( 14 ) في أ ، ج : " الأمر " . ( 15 ) في أ : " قد أخطأ " . ( 16 ) في ب : " من " ، ج : " وبما " ، والمثبت من أ . ( 17 ) في ج : " إلى " .