ابن أبي أصيبعة
16
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
ولما سئل " جبريل " عن سبب العلة ، قال : هذه الجارية انصب إلى أعضائها وقت الجامعة خلط ورقيق بالحركة وانتشار الحرارة ، ولأجل أن سكون حركة الجماع تكون بغتة ، جمدت العضلة في بطون جميع الأعصاب ، وما كان يحلها إلا حركة مثلها ، فاحتلت إلى أن انبسطت حرارتها وانحلت العضلة . قال قينون ( الترجمان ) « 1 » : وكان محل " جبريل " يقوى كل وقت ، حتى إن " الرشيد " قال لأصحابه ، كل من كانت له إلى حاجة ، فليخاطب بها " جبريل " ؛ لأنى أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه منى . فكان القواد يقصدونه في كل أمورهم ، وحاله يتزايد ، ومنذ يوم خدم " الرشيد " ، وإلى أن انقضت خمس عشرة سنة لم يمرض " الرشيد " ، فحظى عنده . وفي آخر أيام " الرشيد " عند حصوله بطوس « 2 » ، مرض المرضة التي توفى فيها . ولما قوى عليه المرض ، قال لجبريل : لم لا تبرئنى ؟ فقال له : قد كنت أنهاك دائما عن التخليط وكنت أقول لك ( قديما ) « 3 » أن تخفف من الجماع فلا تسمع منى ، والآن سألتك أن ترجع إلى بلدك ، فإنه أوفق لمزاجك فلم تقبل ، وهذا مرض شديد « 4 » ، وأرجو أن يمن الله بعافيتك ، فأمر بحبسه . وقيل له : إن بفارس « 5 » أسقفا يفهم الطب ، فوجه من يحضره ( إليه ) « 6 » ، ولما حضره ورآه ، قال : الذي عالجك لم يكن يفهم ، فزاد ذلك في إبعاد " جبريل " . وكان " الفضل بن الربيع " « 7 » يحب " جبريل " ، ورأى أن الأسقف كذاب يريد إقامة السوق ، فأحسن فيما بينه وبين " جبريل " . وكان الأسقف يعالج " الرشيد " ومرضه يزيد ، وهو يقول له : أنت قريب من الصحة . ثم قال له : هذا المرض كله من خطأ " جبريل " . فتقدم " الرشيد " بقتله ، فلم يقبل منه " الفضل بن الربيع " ؛ لأنه كان يئس من حياته ، فاستبقى " جبريل " .
--> ( 1 ) ساقط في أ ، ج ، د ، والإضافة من ك ، وفيها ذكر اسم الترجمان " فينون " وقد درجت على تسميته " فتيون " . ( 2 ) طوس : مدينة قديمة بخراسان بالقرب من ( نيسابور ) . وتشتمل على بلدتين : الأولى تسمى ( الطابران ) ، والأخرى : ( نوقان ) . ولهما أكثر من ألف قرية . وفتحت ( طوس ) في عهد " عثمان بن عفان " ، رضي الله عنه ، بها قبر " هارون الرشيد " ، والإمام " علي بن موسى " الرضا ، وبها دار " حميد بن قحطبة " . وممن ينسب إليها من العلماء : الإمام " أبى حامد الغزالي الطوسي " ، و " تميم ابن محمد بن طمغاج الطوسي " صاحب المسند ، ومنها الفردوسي الشاعر الشهير . انظر في ترجمته : معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 56 ، بلدان الخلافة الشرقية : 430 / 443 . ( 3 ) في أ : " دائما " . ( 4 ) في ك : " معرض " . ( 5 ) فارس : بلاد عظيمة ، واسعة البلاد ، منها ( سابور ) . و ( تبريز ) ، و ( أذربيجان ) و ( إصطخر ) ، وغيرها ، ونشأ بفارس أعظم إمبراطوريات الشرق القديم ، كالفارسية التي سيطرت على معظم بلاد الشرق من الصين إلى الجزيرة العربية ، وما بها من قبائل حتى بلاد اليمن ، وقد قاوم الفرس الإسلام كثيرا ، حتى قضى المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص على نفوذهم وقوتهم ، وسيطر على بلادهم ، ولما رأى أهلها سماحة الإسلام والمسلمين دخلوا في الإسلام . وكان لهم تأثيرهم الواضح في قيام الخلافة العباسية . معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 256 ، الروض المعطار للحميري : 433 . ( 6 ) ساقط في أ . ( 7 ) هو أبو العباس " الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة " حاجب " هارون الرشيد " . وكان هو الذي أوغر صدر " الرشيد " على البرامكة ، وتسبب في نكبتهم ، التي قتلوا فيها . وتولى الوزارة من بعدهم ، وظل في وزارته بعد موت " الرشيد " لابنه " محمد الأمين " ، وكان هو السبب أيضا في الخلاف الذي وقع بين " الأمين " ، و " المأمون " ، وذلك بأن أوعز للأمين بخلع " المأمون " من ولاية العهد ، فلما قتل الأمين ، في الحرب التي دارت بينه وبين أخيه " المأمون " ؛ وتولى " المأمون " الخلافة ، اختفى " الفضل بن الربيع " فترة حتى عفى عنه " المأمون " ، وكانت وفاته سنة 208 ه ، وعمره 70 سنة . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 4 / 37 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 10 / 109 .