ابن أبي أصيبعة

17

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ولما كان بعد أيام يسيرة مات " الرشيد " ، ولحق " الفضل بن الربيع " في تلك الأيام قولنج « 1 » صعب أيس الأطباء منه ، فعالجه " جبريل " بألطف علاج وأحسنه ، فبرأ " الفضل " وازدادت محبته له ( وعجبه ) « 2 » به . قال قينون : ولما تولى " محمد الأمين " « 3 » وافى إليه " جبريل " فقبله أحسن قبول ، وأكرمه ووهب له أموالا جليلة ( أكثر ) « 4 » مما كان أبوه يهب له . وكان " الأمين " لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه . فلما كان بين " الأمين " و " المأمون " « 5 » ما كان ، وملك الأمر " المأمون " ، كتب إلى " الحسن بن سهل " « 6 » وهو يخلفه بالحضرة « 7 » ، بأن يقبض على " جبريل " ويحبسه ؛ لأنه ترك قصده بعد موت أبيه " الرشيد " ، ومضى إلى أخيه ( الأمين ، ففعل ) « 8 » " الحسن بن سهل " . ولما كان في سنة اثنتين ومائتين ، مرض " الحسن بن سهل " مرضا شديدا ، وعالجه الأطباء فلم ينتفع بذلك ، فأخرج " جبريل " من الحبس حتى عالجه ، وبرأ في أيام يسيرة ؛ فوهب له سرّا مالا وافرا وكتب إلى " المأمون " يعرفه خبر علته ، وكيف برأ على يد " جبريل " ، ويسأله في أمره ، فأجابه بالصفح عنه . قال قينون : ولما دخل " المأمون الحضرة في سنة " « 9 » خمس ومائتين ، أمر بأن يجلس " جبريل " في منزله ولا يخدم ، ووجه من أحضر " ميخائيل المتطبب " « 10 » ، وهو صهر " جبريل " ، وجعله مكانه ، وأكرمه إكراما وافرا كيادا لجبريل .

--> ( 1 ) القولنج : مرض يصيب الأمعاء ، ويكون باحتباس الطبيعة ، ويسبب ألما شديدا يحتبس معه البول والبراز في الأمعاء ، أو القولون ، وسببه احتباس الرطوبات اللزجة البلغمية في المعى ، فيتمدد ويحس الإنسان بالألم ، ومن شر أنواعه ما يسمى بالإيلاوس ، وهو مرض مهلك . انظر في ترجمته : كتاب التنوير لأبى منصور الحسن ابن نوح القمرى : 26 . مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 269 . ( 2 ) في أ : " وعجب " . ( 3 ) هو أمير المؤمنين " محمد بن هارون الرشيد " المعروف بالأمين ، بويع بالخلافة بعد وفاة والده هارون الرشيد ، وتولى له البيعة ببغداد " صالح بن هارون " فاتخذ " الفضل بن الربيع " وزيرا له . و " إسماعيل بن صبيح " كاتبا ، ولكنه ما لبث أن اختلف مع أخيه " المأمون " حول ولاية العهد ، ففسد الأمر بينهما ، ووقعت عدة حروب قتل فيها الأمين سنة 198 ه في شهر المحرم . انظر : المعارف لابن قتيبة : 384 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 9 / 334 . ( 4 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 5 ) هو أمير المؤمنين " عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدى بن أبي جعفر المنصور العباسي " المعروف بالمأمون ، ولى الخلافة بعد مقتل أخيه " الأمين " سنة 198 ه . وكان من أعظم خلفاء بنى العباس ، وكان محبا للعلم والعلماء ، حرص على ترجمة كتب اليونان في الطب والفلسفة وغيرها من العلوم ، وكانت وفاته سنة 218 ه - 823 م . انظر في ترجمته : تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 10 / 183 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 10 / 272 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 39 ( 6 ) هو أبو محمد " الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي " حمو أمير المؤمنين " المأمون " ، وأخو الوزير " الفضل بن سهل " ، ووزير " المأمون " بعد وفاة أخيه " الفضل " ، وكان المأمون قد ولاه كل البلاد التي فتحها " طاهر بن الحسين " ، وظل في وزارته حتى ثارت عليه المرة السوداء ، حتى حبس لتغير عقله ، وظل هكذا حتى توفى في ذي الحجة ، سنة 236 ه . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 2 / 120 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 11 / 171 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 2 / 287 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 86 . ( 7 ) مدينة في البرية بإزاء تكريت ، بينها وبين الموصل والفرات ، وهي مبنية بالحجارة المهندمة . وهي مدينة كثيرة الأبراج والقصور . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 309 . ( 8 ) في أ : " المأمون فقبل " . ( 9 ) ساقط في ج ، د . ( 10 ) هو " ميخائيل بن ماسويه " ، أخو " يوحنا بن ماسويه " ، وميخائل طبيب بارع ، يعرف اليونانية ، ويعرف الأدوية وصيدلتها ، خدم المأمون ، فكان المأمون يجله ويحترمه ، وسوف تأتى ترجمته في هذا الباب . انظر في ترجمته أيضا : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 215 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 1 / 374 .