حميد بن أحمد المحلي
191
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
تلك العوسجة حتى صارت أعظم دوحة عادية رأيتها ، وقد شذب الله شوكها ، وساخت عروقها واخضرّ ساقها وورقها ، ثم أثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر أعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق ، ورائحة العنبر ، وطعم الشهد ، والله ما أكل منها جائع إلا شبع ، ولا ظمآن إلا روي ، ولا سقيم إلا بري ، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا درّ لبنها ، ورأينا النما والبركة في أموالنا منذ نزل رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأخصبت بلادنا وأمرعت ، فكنا نسمي تلك الشجرة : المباركة ، وكان من ينتابنا من حولنا من البوادي يستشفون بها ، ويتزودون من ورقها ، ويحملونها معهم « 1 » في الأرض و « 2 » القفار ، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب ، فلم نزل كذلك وعلى ذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها ، واصفر ورقها ، فحزنا لذلك وفزعنا له فما كان إلا قليلا حتى جاء نعي رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإذا هو قد قبض في ذلك اليوم ، فكانت بعد ذلك تثمر دونه في الطعم « 3 » والعظم والرائحة ، وأقامت على ذلك ثلاثين سنة ، فلما كان ذات يوم أصبحنا فإذا بها قد أشوكت من أولها إلى آخرها ، وذهبت نضارة عيدانها ، وتساقط جميع ثمرها ، فما كان إلا يسيرا حتى وافانا مقتل أمير المؤمنين عليه السّلام ، فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا ، وانقطع ثمرها ، ولم نزل ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي به مرضانا ، ونستشفي به من أسقامنا ، فأقامت على ذلك مدة وبرهة طويلة ، ثم أصبحنا وإذا بها يوما قد انبعث من ساقها دم عبيط جار ، وورقها ذابل يقطر ماء كماء اللحم ، فعلمنا أن قد حدث حدث عظيم ، فبتنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية ، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين بن علي عليهما السلام ، ويبست الشجرة
--> ( 1 ) في ( أ ) : ساقطة معهم . ( 2 ) في ( ج ) : بدون واو . ( 3 ) في ( ج ) : ساقطة الطعم .