حميد بن أحمد المحلي
130
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
ما نطقت به آثار حكمته ، واعترف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بتبليغ قوّته « 1 » ، ما دلنا باضطرار قيام الحجّة له علينا على معرفته ، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إيّاه بالحدود متناهيا ، وما زال هو الله الذي ليس كمثله شيء ، عن صفة المخلوقين متعاليا ، وانحسرت وجل عن أن تناله الأبصار ، فيكون بالعيان موصوفا ، وارتفع عن أن يحوي كنه عظمته فهاهات رويّات المتفكرين ، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها ، وما زال عند أهل المعرفة عن الأشباه والأنداد منزّها ، كذب العادلون بالله إذ شبهوه بأصنافهم ، وحلّوه بحلية المخلوقين بأوهامهم . وكيف لما لا يقدر قدره مقدار في رويّات الأوهام ، لأنه أجل من أن تحدّه ألباب البشر بتفكير ، وهو أعلى من أن يكون له كفو فيشبّه بنظير ، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين ، وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين ، فأين يتاه بأحدكم ؟ وأين يدرك ما لا يدرك والله المستعان « 2 » . قال السيد أبو طالب الحسني رضي اللّه عنه ما تشتمل هذه الخطبة عليه من ذكر عجز المخلوقين عن المعرفة على جميع صفات الله تعالى ، المراد به العجز عن معرفة معلوماته ومقدوراته ، وعجائب صنعه وخلقه على التفصيل ، ومقادير نعمه على خلقه ، وما اختص به تعالى من علم الغيوب ، الذي لم يطلع البشر عليه « 3 » . وروينا بالإسناد إلى محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه قال : لما قدم أمير المؤمنين عليه السّلام من البصرة - بعد قتال الجمل - دعاه الأحنف بن قيس ، فاتخذ له طعاما ، وبعث إليه وإلى أصحابه ، فأقبل إليه أمير المؤمنين عليه السّلام ، ثم قال له : يا أحنف ، ادع أصحابي فدعاهم ، فدخل قوم متخشعون كأنهم شنان بوال . فقال له الأحنف بن قيس :
--> ( 1 ) الأمالي والنهج : إلى أن يقيمها بمسالك قدرته . ( 2 ) الأمالي ص 202 ، والنهج رقم 89 ص 236 باختلاف يسير . ( 3 ) الأمالي 204 .