حميد بن أحمد المحلي
131
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
يا أمير المؤمنين ، ما هذا الذي نزل بهم من قلة الطعام ؟ أم من هول الحرب ؟ قال : لا يا أحنف . إن الله عز وجل إذا أحب قوما تنسكوا له في دار الدنيا تنسّك من هجم على ما علم من فزع يوم القيامة من قبل أن يشاهدوها ، فحمّلوا أنفسهم كل مجهودها ، فكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله تعالى توهموا خروج عنق من النار تحشر الخلائق إلى ربهم عز وجلّ ، وظهور كتاب تبدوا فيه فضائح ذنوبهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا ، وتطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، وتفارقهم عقولهم إذا غلت بهم مراجل المردّ إلى الله عز وجل غليانا ، يحنون حنين الواله في دجى الظّلم ، ذبّل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم ، خميصة بطونهم ، تراهم سكارى وليسوا بسكارى ، هم سمّار وحشة الليالي ، متخشعون قد أخلصوا لله أعمالهم سرا وعلانية ، فلو رأيتهم في ليلهم ونهارهم ، وقد نامت العيون ، وهدأت الأصوات ، وسكنت الحركات من الطير في الوكور ، وقد نهنههم يوم الوعيد ، ذلك قوله تعالى : أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ [ الأعراف : 97 ] فاستيقظوا لها فزعين ، وقاموا إلى مضاجعهم يعولون ويبكون تارة ، ويسبّحون ليلة مظلمة بهماء ، فلو رأيتهم يا أحنف ، قياما على أطرافهم ، منحنية ظهورهم على أجزاء القرآن لصلاتهم ، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صارت في أعناقهم . فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا ، ويقولون للناس حسنا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراما ، أولئك يا أحنف انتجعوا دار السلام ، التي من دخلها كان آمنا ، فلعلك شغلك يا أحنف نظرك إلى وجه واحدة تبيد الأسقام غضارة وجهها ، ودار قد اشتغلت بتقريب فراقها ، وستور علقتها ، والرياح والأيام موكلة بتمزيقها ، وبئست لك دارا من دار البقاء ، فاحتل للدّار