محمد بن سعيد بن الدبيثي
30
ذيل تاريخ مدينة السلام
ومما لا شك فيه أنّ تواريخ المدن كانت تعبيرا عن الرباط الوثيق الذي يربط الإنسان بمكان مولده ومرباه ، ومن ثم الحنين إليه ، وهو ما أشار إليه الجاحظ في رسالته « الحنين إلى الأوطان » وفي غيرها من كتبه . ومن ثم ظهر دائما نوع تعصب ومفاخرة بين أهل المدن ، غالبا ما احتلت المكانة التي كانت تحتلها المفاخرات القبلية في صدر الإسلام . وأكثر ما تظهر مثل هذه المفاخرات في مقدمة تواريخ البلدان حيث يثني المؤلف على منزلة المدينة التي يؤرخ لها ، فالخطيب البغدادي افتتح تاريخه بقول يونس بن عبد الأعلى : « قال لي الشافعي : يا أبا موسى دخلت بغداد ؟ قال : قلت : لا . قال : ما رأيت الدنيا » « 1 » ، ثم ذكر فصلا فيه « ذكر أقاليم الأرض السبعة وقسمتها وإن الإقليم الذي فيه بغداد سرّتها » « 2 » وخصص بعد ذلك بابا ذكر فيه « مناقب بغداد وفضلها وذكر المأثور من محاسن أخلاق أهلها » « 3 » . وأشار أبو القاسم حمزة بن يوسف السّهمي في مقدمته لتاريخ جرجان إلى أن العصبية لمدينته هي التي دفعته إلى الكتابة عنها ، قال : « أما بعد ، فإني لما رأيت كثيرا من البلدان تعصب أهلها وأظهروا مفاخرها بدخول الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين بلادهم ، وكون الخلفاء والأمراء وجماعة من العلماء عندهم حتى أرخوا لذلك تواريخ وصنفوا فيها تصانيف على ما بلغهم ، ولم أر أحدا من مشايخنا رحمهم اللّه صنف في ذكر علماء أهل جرجان تصنيفا أو أرخ لهم تاريخا على توافر علمائها وتظاهر شيوخها وفضلائها ، فأحببت أن أجمع في ذلك مجموعا على قدر جهدي وطاقتي . . . إلخ » « 4 » . ثم ذكر بعد ذلك فتح جرجان ، ومن دخلها من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم والتابعين . . . إلخ .
--> ( 1 ) تاريخ مدينة السلام 1 / 292 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 / 319 . ( 3 ) المصدر نفسه 1 / 346 - 358 . ( 4 ) السهمي : تاريخ جرجان 3 - 4 .