ابن الزيات
91
التشوف إلى رجال التصوف
وكان يلبس كساء خشنا على جلده ، ويأكل الشعير الذي يحرثه بيده . فإذا اشتهى اللحم اصطاد السلاحف البرية فأكل لحمها [ الكامل ] : إنّ الغنى تطغى النّفوس به فما * بين الغنى وتقى الإله مناسبه ولذاك قيل ويا لها من حكمة * الفقر ملك ليس فيه محاسبه وحدثوا عن أبي محمد عبد السلام أنه كان ذات يوم يعمل في أرضه فإذا مزدلى ابن تلكان - وهو أمير تلمسان - قد جاءه . فنزل عن فرسه فبسط له غلامه برنسه فقعد عليه ، فقال له عبد السلام : ما هذه الأخلاق يا مزدلى ؟ أين تجد غدا برنسا تقعد عليه ؟ فاستحيا من قوله وقام عن البرنس وقعد على الأرض . فقال له عبد السلام : ما تطلب عندي وأنا فقير وأنت أمير ؟ فقال له : جئت لأتبرك بك وآكل من طعامك . فقال له : وما تصنع بطعامى ؟ وهل هو إلا خبز شعير ولحم السلحفاة . وقدم له خبز شعير ولحم سلحفاة في قدر . وأخبرنا يحيى بن عبد الرحمن قال : حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن أبي عرجون ، أن حمود بن سمعون اللخمي من تجار الصحراء لما أسن ترك السفر فوضعت بيده أحباس جامع تلمسان . قال : فكنت يوما في الجامع وفيه الأمير تميم بن يوسف بن تاشفين ، فصاح عبد السلام : يا حمود ! لا تعد ! فقال له حمود : وما ذلك ؟ فقال له عبد السلام : استسلف منك الأمير تميم بن يوسف من مال الأحباس خمسمائة دينار ، فأسلفته ، وهل عنده مال يقضى منه مال الحبس إلا ماله الخبيث ؟ فقال له حمود : أشهد اللّه وأشهدك أن الأمير في حل مما استسلف منى ، وأشهد اللّه وأشهدك أن أدفع من مالي ، في مال الأحباس ، للجامع ، خمسمائة دينار . فقال عبد السلام : الآن طابت نفسي . وحدثوا عنه أنه جاءته أخته من تونس بألف دينار وقالت له : هذا ميراثك في أخيك . فقال لها : جئتني بهذه الشياطين ، لا حاجة لي بها ! فقالت له : خذ منى مالك . فقال : إنما هو مالك لأنه بيدك وأما أنا فلا أدرى ما هو ولا آخذه منك .