ابن الزيات

92

التشوف إلى رجال التصوف

وحدثني يحيى بن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبيه ، أن أبا بكر ومحمد ابني مخلوف بن خلف اللّه كانا ممن أخذا عن أبي الفضل ابن النحوي ، وكانا ذكيين عالمين بالمناظرة ، وكان عبد بالسلام مقتصرا على حفظ المسائل ، فكانا يعترضان عليه في مجلس تدريسه ، فدعا اللّه تعالى عليهما فماتا معا في جمعة واحدة . وحدثوا عنه أنه كان بتلمسان رجل من أهل الدعارة . فشكاه الناس كثيرا . فلقيه عبد السّلام فأخذ بأثوابه وضرب به الحائط وقال له : يا هذا آذيت المسلمين حتى أكثروا بك الشكوى ! فانكب الرجل على رجليه يقبلهما وهو يقول : أتوب إلى اللّه عز وجل ! فأرسل عبد السّلام يديه منه ولف كساءه على عنقه يعاتب نفسه ويقول : يا عبد السّلام ، يا مسكين ! ما عذرك عند اللّه تعالى فيما فعلت برجل مسلم ؟ والرجل يقول : ما أبرك علىّ هذا اليوم الذي أدبتنى فيه ! فتاب الرجل إلى اللّه تعالى وأقبل على العبادة إلى أن لحق بالأولياء . وحدثني يحيى بن عبد الرحمن بن عبد اللّه قال : حدثتني جدتي أن أمية بنت يغروسن حدثتها ، وكانت قد أدركت عبد السلام التونسي وأنافت على مائة سنة ، أن عبد السلام كان يجتمع إليه الناس إثر كل صلاة الجمعة فيدعو لهم . قالت : فوقفت مع الناس وهو يدعو لهم واحدا إلى أن انفصلوا كلهم ، فوقفت وحدى وأصابتنى رعدة من هيبته . فقال لي : ما تريدين ؟ فقلت : يا سيدي ادع اللّه لي أن يتوب علىّ ! فقال : تاب اللّه عليك . قالت : فانصرفت إلى منزلي وتجردت من أثوابي وتطهرت ، وأقبلت على طاعة اللّه عز وجل . وكانت تلبس خمار صوف وجبة صوف ، وتقيم النهار من أوله إلى آخره بجامع تلمسان إلى أن لحقت باللّه عز وجل [ الوافر ] : أما واللّه لو علم الأنام * لما خلقوا لما غفلوا وناموا لقد خلقوا لما لو أبصرته * عيون قلوبهم ساحوا وهاموا ممات ثمّ قبر ثمّ حشر * وتوبيخ وأهوال عظام