ابن الزيات

59

التشوف إلى رجال التصوف

يقال لهم : بنو لحيان . فتبعوهم في قريب من مائة رجل رام . فاقتصوا آثارهم حتى لحقوا بهم . فلما رآهم عاصم بن ثابت وأصحابه لجأوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا يقتل منكم رجل واحد . فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ! اللهم فأخبر عنا رسولك . عليه السّلام ! قال : فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في نفر ، وبقي خبيب بن عدي وزيد بن الدئنة ورجل آخر . فأعطوهم العهد والميثاق أن ينزلوا إليهم . فنزلوا إليهم . فلما استمسكوا منهم خلعوا أوتار قسيهم فربطوهم . فقال الرجل الثالث الذي كان معهم : هذا أول الغدر . فأبى أن يصحبهم . فجروه فأبى أن يتبعهم وقال لهم : في هؤلاء أسوة . فضربوا عنقه ، وذهبوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة . قال : وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشئ من جسده ليعرفوه ، وكان قد قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر . فبعث اللّه عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا على شئ منه « 1 » . فلما أعجزهم قالوا : إن الدبر ستذهب إذا جاء الليل . فما جاء الليل حتى بعث اللّه مطرا بسيل حمله فلم يوجد . وكان قد قتل كثيرا منهم . فأرادوا رأسه فحال اللّه تعالى بينهم وبينه ، وقال حسان بن ثابت [ من الطويل ] : لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان ركّابون شرّ الجرائم وقال ابن إسحاق في حديثه : فلما قتل عاصم ، أرادت قريش أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد ، وكانت قد نذرت ، حين أصاب ابنيها يوم أحد ، لئن قدرت على رأس عاصم لتشر بن في قحفه الخمر . فمنعه الدبر . قال ابن إسحاق : كان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر - يعنى النحل - منعته : يحفظ اللّه العبد المؤمن . كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته . فمنعه اللّه بعد وفاته كما امتنع في حياته « 2 » .

--> ( 1 ) راجع صحيح البخاري ، كتاب الجهاد ، باب 170 ؛ المغازي ، باب 10 ، 28 . ( 2 ) سيرة ابن إسحاق ، الخبر 508 .