ابن الزيات
363
التشوف إلى رجال التصوف
المطر قال : فأقلع المطر عن المكان الذي كنا فيه ، وكان ينزل قريبا منا ونحن نسمعه إلى الصباح . ومنهم : 262 - أبو زيد عبد الرحمن الزاهد أصله من المغرب ورحل إلى المشرق واستقر أخيرا بالمسجد الأقصى وبه مات في شهر جمادى عام ثلاثة عشر وستمائة . سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الألهانى يقول : رأيت عبد الرحمن الزاهد بالمسجد الأقصى . فحدثني بأمره وقال : كنت بالمغرب من العمال ، فوقعت التوبة في قلبي وأردت التوجه إلى بلاد المشرق فقلت : لا بد من رد المظالم إلى أهلها . فاستأجرت رجلا مهذارا من الغرباء على جمع الناس بهذرته في المواضع التي كنت عملت فيها . فلما جمع الناس قال لهم : قد عزم على التوبة رجل كان فيكم عاملا . فمن كان له عنده حق فليأخذه منه ؛ ومن ضربه فليقتص منه . ومن شاء منكم أن يحلله فليفعل . فلما قرر عندهم أمرى وأحبوا أن يروني أخذ بيدي وأوقفنى بين الناس . فمنهم من يأخذ منى ما أخذته منه ، ومنهم من يصالحنى ، ومنهم من يحللنى حتى لم يبق على حق لأحد إلا لرجل واحد من غمارة كنت ضربته خمسين سوطا . فذهبت معه إلى موضعه وكان قريبا من مدينة سبتة . فجمع الناس وذكر لهم أمرى وأمر الرجل الذي ضربته بالسياط . فقال الرجل المضروب : أنا هو ذاك ! وأين صاحبي ؟ فأخذ بيدي وأوقفنى بين الناس . فقال لي : أريد أن أقتص منك . فتجردت من ثيابي وقلت له : اقتص ! فجاءنى بالسوط ليضربنى فرغبه الناس في العفو عنى ، فأبى إلا القصاص ؛ ثم قال لي : أنت لم تتول ضربي بنفسك وإنما أمرت ضاربا يضربني ، فأنا آتى بضراب يضربك . فجاء برجل يضربني . فلما رآني منقادا إلى القصاص انكب على فاعتنقنى وبكى وقال لي : أنت في حل من ضربي وقد عفوت عنك وما أردت بالتشديد عليك إلا أن أتحقق صدقك في طلب القصاص منك . فقمت ولم يبق قبلي حق لأحد فتوجهت إلى المشرق [ من الطويل ] : إذا نلت من دنياك قوتا فلا تبل * بمن نال منها فوق ما نال قيصر