ابن الزيات
261
التشوف إلى رجال التصوف
اثنين منهم . فانصرفا وبقي الثالث إلى أصل الشجرة فقعد عندها ، فسمع به الوالي فبعث إليه من ضرب عنقه وصلبه على تلك الشجرة . ولم أزل سائرا إلى أن وصلت بجاية فأقمت بها . وحدثني أبو علي حسن بن محمد الغافقي الصواف وكان قد صحب أبا مدين نحوا من ثلاثين سنة وما فارقه إلى أن مات بيسر قال : سمعت الشيخ أبا مدين يقول : كنت بقطنيانة فأردت التخلي عن الدنيا . فسرت قاصدا نحو المغرب ثلاثة أيام أو أربعة أيام ، فلاحت لي كدية على البحر وعليها خيمة ؛ فخرج إلى منها شيخ وليس عليه إلا ما يستر به عورته . فنظر إلىّ وظن أنى أسير فررت من أرض الروم . فسألني عن شأني فأخبرته . فأخذ حبلا وربط في طرفه مسمارا ؛ فرمى به في البحر فأخرج حوتا فشواه لي فأكلته . فأقمت عنده ثلاثة أيام ، كلما جعت رمى بالحبل والمسمار في البحر فيخرج به حوتا ، فيشويه وآكله . ثم بعد ذلك قال لي : أراك تروم أمرا فارجع إلى الحاضرة ، فإن اللّه لا يعبد إلا بالعلم . فرجعت إلى إشبيلية ثم ذهبت إلى شريش ومن شريش إلى الجزيرة الخضراء . فجزت البحر إلى سبتة وذهبت إلى فاس فلقيت بها الأشياخ . فسمعت « رعاية » المحاسبي على أبى الحسن ابن حرزهم . وسمعت كتاب « السنن » لأبى عيس الترمذي ، على أبى الحسن علي بن غالب ، وأخذت طريقة التصوف عن أبي عبد اللّه الدقاق ، وأبى الحسن السلاوى . فكنت أقيم بفاس وآخذ آية من القرآن وحديثا فأخرج إلى موضع خال متصل بالساحل ، فإذا فتح لي في العمل بالآية والحديث عدت إلى فاس فأخذت آية وحديثا وكذلك فأعمل عليهما . وكان الموضع الذي آوى إليه في الجبل عمرانا طرأ عليه الخراب فلم يبق من بنيانه شئ قائم إلا مقصورة المسجد خاصة . فكنت إذا قعدت فيها تأوى إلىّ غزالة فلا أدرى هل كانت تأوى إلى أهل ذلك المكان فرحلوا وبقيت تأنس بالمكان أو كانت تأوى إلى . فكانت تأتيني متى جئت إلى ذلك المكان فتشم من قرني إلى قدمي ثم تربض أمامى . فذهبت يوم الخميس إلى فاس وبت بها ليلة الجمعة . فلقيت رجلا من الأندلس أعرفه . فسألت أبا عبد اللّه بن أبي حاج عن ثوب كان عنده ، فقال لي : ما تريده ؟ فقلت له : أريد أن يباع ويدفع ثمنه إلى هذا الرجل ويكون ذلك ضيافته فقال لي : خذ عشرة