ابن الزيات
262
التشوف إلى رجال التصوف
دراهم وادفعها له . فأخذتها وطلبت الرجل ، فلم أجده . فصررت الدراهم في صرة وجعلتها في مئزرى وخرجت إلى الجبل . فمررت بقرية على طريقي فيها كلاب كثيرة وكنت إذا مررت بها ، تبصبص إلى الكلاب وتدور بي . فلما قربت من تلك القرية أنكرتني كلابها ونبحتنى وما تخلصت منها إلى أن حال بيني وبينها أهل القرية . فلما وصلت مكاني من الجبل جاءتني الغزالة فشمتنى ثم تنحت عنى ونظرت إلى نظرا منكرا ونطحتنى مرة وثانية وثالثة بقرنها وأنا أتلقى قرنيها بيدي . فتفكرت في سبب ذلك وفي إنكار كلاب القرية لي ، فعلمت أنه من أجل الدراهم التي صررتها في مئزرى . فنزعتها ورميتها ناحية ؛ فنظرت إلى وربضت أمامى على عادتها . فبت بذلك المكان . فلما أصبحت أخذت الصرة وحملتها إلى فاس . فوجدت الرجل الذي أعددتها لضيافته ، فدفعتها له ، ثم سرت إلى الجبل على عادتي . فمررت بالقرية التي في طريقي ، فبصبصت الكلاب على عادتها ولم تنبحنى ؛ فوصلت موضعي من الجبل ، فجاءتنى الغزالة فشمت السلهامة من قرني إلى قدمي فربضت أمامى على عادتها . قال أبو مدين : وكنت أزور الشيخ أبا يعزى ؛ فأول مرة زرته مشيت إليه مع رجلين فاشتهى كل واحد منهما طعاما يأكله عنده . فلما وصلنا إليه ، قدم لكل واحد منهما ما اشتهاه قبل الوصول إليه . فأقمت عنده أياما ، فرأيته في تلك الأيام يقدم الرجل للصلاة فإن كان قارئا مجيدا أقرّه ، وإن كان لحانا أخره . وكان أبو يعزى أميّا ولكنه رزق إدراك علم هذا . قال أبو مدين : وقالت لي جماعة من الفقهاء المجاورين لأبى يعزى : ثبتت عندنا ولاية أبى يعزى ولكن نشاهده يلمس بيده صدور النساء وبطونهن ويتفل عليهن فيبر أن ، ونرى أن لمسهن حرام ، فإن نحن تكلمنا في هذا هلكنا وإن سكتنا تحيرنا . فقلت لهم : أرأيتم لو أن بنت أحدكم أو أخته أصابها داء لا يطلع عليه إلا الزوج ولم يجد من يعانيه إلا طبيب يهودي أو نصراني ألستم تجيزون ذلك مع أن دواء اليهودي أو النصراني مظنون ، وأنتم من معاناة أبى يعزى على يقين من الشفاء ومن معاناة غيره على شك . فبلغ كلامي أبا يعزى فكان يقول : إذا رأيتم شعيبا فقولوا له : عسى أن يعتقنى . كأنه استحسن جوابي عنه .