ابن الزيات

260

التشوف إلى رجال التصوف

فاس . فتوجهت إليها ولزمت جامعها وتعلمت الوضوء والصلاة وكنت أجلس إلى حلق الفقهاء والمذكرين فلا أثبت على شئ من كلامهم إلى أن جلست إلى شيخ ثبت كلامه في قلبي . فسألت من هو ؟ فقيل لي : أبو الحسن بن حرزهم . فأخبرته أنى لا أحفظ إلا ما سمعته منه خاصة . فقال لي : هؤلاء يتكلمون بأطراف ألسنتهم فلا يجاوز كلامهم الآذان . وقصدت اللّه بكلامي فيخرج من القلب ويدخل القلب . ثم سمعت الناس يتحدثون بكرامات أبى يعزى . فذهبت إليه في جماعة توجهت لزيارته . فلما وصلنا جبل ايروجان ودخلنا على أبى يعزى أقبل على القوم دونى . فلما أحضر الطعام منعني من الأكل . فقعدت في ركن الدار . فكلما أحضر الطعام وقمت إليه انتهرنى فأقمت على تلك الحال ثلاثة أيام وقد أجهدني الجوع ونالني الذل . فلما انقضت ثلاثة أيام قام أبو يعزى من مكانه . فأتيت إلى ذلك المكان ومرغت وجهي فيه . فلما رفعت رأسي نظرت ، فلم أر شيئا وصرت أعمى . فبقيت أبكى طول ليلتي [ من الطويل ] : قليل لمثلى زفرة ونحيب * وليس له إلّا الحبيب طبيب وأمثل ما يلقى المحبّ خضوعه * إذا كان من يدعوه ليس يجيب فلما أصبحت استدعانى وقال لي : أقرب ، يا أندلسي ! فدنوت منه ، فمسح بيده على عيني ، فأبصرت . ثم مسح بيده على صدري وقال للحاضرين : هذا يكون له شأن عظيم ؛ أو قال كلاما هذا معناه . فأذن لي في الانصراف وقال لي : ستلقى في طريقك أسدا ؛ فلا يروعنك فإن غلب عليك خوفه ، قل له : بحرمة يلنور إلا ما انصرفت عنى ! وسيلقاك ثلاثة من اللصوص عند شجرة وستعظهم فيتوب اثنان منهم على يدك ويرجع الثالث فيقتل ويصلب على تلك الشجرة . فودعته وانصرفت . فاعترضنى أسد في الطريق ، فأقسمت عليه بأبى يعزى وتنحى عن الطريق وجزت ولم يزل يتبعني إلى أن خرجت من الشعراء فرجع عنى ؛ ثم أتيت على ثلاثة من اللصوص وهم جلوس إلى أصل شجرة . فقاموا إلىّ فوعظتهم فأثرت الموعظة في قلوب