ابن الزيات
241
التشوف إلى رجال التصوف
وكان أبو عمران من أهل الزهو والكبر والركون إلى الدنيا ونعيمها . ثم نزعت به إلى اللّه همة عالية . فزهد في الدنيا ومتاعها . فقد رأيته ، بعد ما تاب ، محلوق الرأس حافى القدمين ، على جسده كساء صوف بال ، وعليه آثار الانكسار والندم . وما رأيته قط إلا ووعظنى بحاله وحقر الدنيا في عيني . وإذا بت معه في جماعة من المريدين ، لم يأكل إلا آخر الناس بقية الآكلين . وما رأيته قط ضحك حتى فارق الدنيا . وما مر بحجر أو عظم في طريق إلا أماطه . وما جاء قط مسكين وعنده ما يعطيه إلا أعطاه ، فإن لم يجد شيئا يعطيه قام معه إلى السوق ويمشى على الناس ويسألهم له . وكان يعتب على التشديد على نفسه فلا يقنع إلا بذلك [ من الكامل ] : دع عذله إن كنت من إخوانه * يكفيك ما يخفيه من أشجانه إنّ العذول هو الخذول إذا لحى * لا تعذلنه فأنت من إخوانه نشرت مطاوي سرّه أنفاسه * فبكى وأعرب شأنه عن شانه يا أيّها الغادى اجتنب بان اللّوى * فالأسد صرعى اللّحظ من غزلانه إيّاك إيّاك العقيق فإنّما * بلواي بين لوى العقيق وبأنه واستوقف الحادي وسل أظعانه * ففؤادى المأسور في أظعانه وكان أبو عمران قد دفعت إليه أربعمائة دينار وقت المجاعة التي كانت عام أحد وتسعين وخمسمائة . فتصدق بجميعها على المساكين وبقي دون أضحية . فأتت امرأة مسكينة إلى زوجه وقالت لها : عسى أن تكلمي أبا عمران يعطيني من الصدقة التي يفرقها . فقالت لها زوجه : ما عندي بذلك علم . فلما دخل عليها أبو عمران قالت له : كيف فرقت الصدقة على المساكين وأولادك أحوج منهم ؟ فقال لها : واللّه ما أرضى تلك