ابن الزيات

23

التشوف إلى رجال التصوف

ومن طريق البزار عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لتنتقون كما ينتقى التمر من الحثالة وليذهبن [ اللّه ] بخياركم ، وليبقين شراركم ، فموتوا إن استطعتم » « 1 » . قال صاحب المجمل : الحثالة حطام التبن ، ففي هذين الخبرين بيان جلى على أن الخير يقل وأن حلية الفضائل في الصدر الأول . فأما ما خرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أشد أمتي لي حبّا أناس يكونون بعدى ، يود أحدهم لو رآني لفدانى بأهله وماله » « 2 » فخبر حق ، فإن طائفة من أمته يكونون بعده هم من أشد أمته له حبّا . فلم يثبت لهم شدة الحب خصوصا ، بل جاء ب « من » التي للتبعيض ؛ ولم يقل : أشد أمتي لي حبّا ناس يكونون بعدى ، حتى يثبت لهم شدة الحب دون الحب دون غيرهم ممن أدركه ، بل أخبر بذلك عن ناس يكونون بعده وأنهم من الذين اشتد حبهم له . وأما قوله ، صلى اللّه عليه وسلم : « وددت أنى قد رأيت إخواننا » فقالوا : يا رسول اللّه ، ألسنا بإخوانك ؟ قال : « بل ، أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين يأتون بعدى . وأنا فرطهم على الحوض » « 3 » ، فإنه أثبت لهم حكم الصحبة التي هي أفضل ، وبرهان ذلك ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه » والنصيف لغة في النصف « 4 » . وقد نص ، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم « 5 » . فإنه ما من عامل بطاعة من الطاعات من التابعين إلا وهو في صحائف

--> ( 1 ) سنن ابن ماجة ، كتاب الففتن ، باب 24 . ( 2 ) راجع مسلم ، كتاب الجنة ، حديث 12 : من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدى يود أحدهم لو رآني لفدانى بأهله وماله . وفي مسند الإمام ابن حنبل ، ج 5 ، ص 156 ( المطبعة الميمنية بمصر 1313 ) : من أشد أمتي لي حبا قوم يكونون - أو يخرجون بعدى - يود أحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني . وفي الصفحة 170 : بدلا من يخرجون : يجيئون . ( 3 ) راجع صحيح مسلم ، كتاب الطهارة ، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء : . . . أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء اللّه بكم لا حقون ؛ وددت أنا قد رأينا إخواننا ! فقال : أو لسنا إخوانك يا رسول اللّه ؟ قال : أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . فقالوا : كيف تعرف من لم يأت من بعد من أمتك ، يا رسول اللّه ؟ فقال : أرأيت لو أن رجلا له خيل غرمحجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله وقال : فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض الا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك فأقول : سحقا سحقا ! . ( 4 ) راجع صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب تحريم سب الصحابة . ( 5 ) صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .