ابن الزيات
21
التشوف إلى رجال التصوف
هذا القوىّ دم البريّة سافك * ملك الهوى رقّ النّفوس فكلّنا لا يعتنى إلّا بما هو مالك * نور الحقيقة نصب عينك لامع لكن يصدك عنّه قلب حالك * هيهات ! في أهل الحقيقة قلّة صعب الطّريق فقلّ فيه السّالك هيهات ! لا تنال الراحة بالراحة . ومعالى الأمور لا تنال بالراحة . فمن زرع حصد . ومن جدّ وجد . فلله قوم شغلهم شغلهم بتحصيل زادهم عن أهليهم وأولادهم ، ومال بهم عن المآل ذكر المال في معادهم . وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا ، شغلا بمرادهم . وتوسدوا أحزانهم بدلا من وسادهم . واتخذوا الليل مسلكا إلى جدهم واجتهادهم . وحرسوا جوارحهم في هذه الدار عن غيهم وفسادهم . أقبلت قلوبهم تراعى حق الحق . فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق . فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب في رياض الملكوت ترعى . بان لهم الحق فصاروا والهين فناجاهم الفكر فعادوا متحيرين . وجن عليهم الليل فباتوا ساهرين . فناداهم منادى الصلاح : حي على الفلاح ! [ فقاموا متهجدين . وهبت عليهم ريح السحر فجالوا مستغفرين وقطعوا بيداء المجاهدة ] فأصبحوا واصلين . فلما رجعوا وقت الفجر بالأجر نادى منادى الهجر : يا خيبة النائمين ؟ واللّه لا أدرك المفاخر من كان في الصف الآخر . سلع المجد كاسدة وكأن قد غلت . ومراعى الفضل قريبة وكأن قد علت . فيا منازل الأحباب أين ساكنوك ؟ ويا بقاع الإخلاص أين قاطنوك ؟ ويا مواطن الأبرار أين عامروك ؟ ويا مواضع التهجد أين زائروك ؟ خلت واللّه الديار وباد القوم . وارتحل أرباب السهر وبقي أهل النوم . واستبدل الزمان آكلي الشهوات بأهل الصوم . للّه در أعظمهم ! كم تعبت . في ظاعة ! وذهبت واللّه أوصابهم وربحت البضاعة ، وبقي الثناء عليهم إلى قيام الساعة . لو رأيتهم في الظلام قد لاح نورهم . وفي مناجاة الملك العلام قد تم سرورهم . فإذا تذكروا ذنبا قد مضى ، ضاقت صدورهم وتقطعت قلوبهم أسفا على ما حملت ظهورهم . وبعثوا برسالة الندم . والدمع سطورهم . جال الفكر في قلوبهم فألاح صوابهم ، وتذكروا منن الإله فمحا الذكر إعجابهم . وحاسبوا أنفسهم فخففوا حسابهم . وتباكوا للمخافة فأضحت دموعهم شرابهم . وترنموا بالقرآن فكان مزمارهم وربابهم . وكلفوا بطاعة اللّه فألفوا محرابهم . وخدموه