ابن الزيات
199
التشوف إلى رجال التصوف
سمعت عبد اللّه بن موسى يقول : سمعت محمد بن إبراهيم يقول : قال لي أبو زكرياء في عام مجاعة بمراكش : أريد أن تعيننى اليوم . فقلت له : نعم . فقال لي : جئنى بالفقراء الذين بجامع علي بن يوسف . فأتيته بهم فأخرج قمحا وسمنا كان عنده ، ففرقه عليهم حتى لم يبق منه شئ . وحدثني عيسى بن علي ، عن عبد اللّه بن محمد ، عن محمد الحضري وكان خاصا بأبى زكرياء قال : كان لأبى زكرياء بفاس عام أحد وسبعين قمح في غرفتين فقال لي أبو زكرياء : أريد أن أطلعك على سرى فلا تخبر به أحدا حتى أموت . فقلت له : وما ذلك ؟ فقال : نذرت أن أتصدق بجميع القمح الذي في الغرفة الواحدة . ففرقه على المساكين . فعاتبته على ذلك . فقال لي : افعل ما أمرتك به . ففعلت . ثم مكث قليلا ، فرأى الحال قد اشتد بالناس . فقال لي : ألحق الغرفة الثانية بالأولى . وكان له ولد أعمى فقلت له : يا أبا زكرياء انظر من ولدك هذا واترك له شيئا . فقال لي : يا بنى ، بيني وبين اللّه تعالى سر لا يضيع معه . فلما كان ذات يوم ماطر جاء وخلفه جماعة من المساكين وفي يده أوراق كرنب . فأخرج قدرا من سمن لم يبق له شئ سواها . فجعل يخرج السمن ويجعله على ورقة ، حتى لم يبق منه شئ وانصرم ذلك العام ولم يبق من ماله شئ . وحدثني أبو الحجاج يوسف بن موسى التادلى قال : ماتت زوجة أبى زكرياء . فأنكحه أبو عبد اللّه محمد بن ومالال المعروف بأصناج امرأة جميلة من قرابته وكان يوسع عليهما . فقال أبو زكرياء أخاف الفتنة من بقائى مع هذه المرأة فإنها جميلة الصورة وأرى الدنيا قد أقبلت على . فطلقها وتوجه إلى مكة . فوجد بمصر مولى كان قد أعتقه فأتى يوما إلى أبى زكرياء بستين دينارا فأبى قبولها منه وقال : إنما أحتاج أن تكترى لي جملا يوصلنى إلى مكة . فاكتراه له فوصل إلى مكة . فأقام بها وكان يحتطب الإذخر ويبيع الحزمة منه بدرهم فيقتات به . فاشترى منه رجل من أهل فاس كان يعرفه حزمة فحملها إلى منزله ودفع له عشرة دنانير . فقال له أبو زكرياء : إنما آخذ منك درهما أو ترد إلى الحزمة . فما زال الكلام بينهما إلى أن قال الرجل : يا أبا زكرياء عرفتك بفاس ! فسأله عن الزوجة التي كان قد طلقها فقال له : تزوجت . فقال : ما حبسني بهذا البلد إلا أمرها . فأما الآن وقد تزوجت فإني أرجع إلى المغرب .