ابن الزيات

200

التشوف إلى رجال التصوف

ثم عرض عليه الرجل مالا فقال : لا أقبل منك شيئا إلا على وجه السلف . فاكترى له الرجل وأنفق عليه واجتمع له عليه من الكراء والنفقة من مكة إلى فاس ثمانية عشر دينارا . فجاء الرجل إلى أبى محمد يسكر بن موسى ودفع له مائة دينار وقال له : عسى أن تدفع إلى أبى زكرياء هذه المائة دينار ، فلى عليه دين يقضيه منها . فجاءه أبو محمد يسكر فوجد عنده جمعا كثيرا . فلما خرجوا من عنده قال له أبو محمد : هذه مائة دينار من كسب طيب رغب ربها أن تقبلها منه . فجلس وكان مضطجعا وقال له : أبهذا تواجهني يا يسكر وتريد أن آخذ أوساخ الناس ! فقال له : سمعت أن عليك دينا فرأيت أن تقضيه منها . فقال له : سيأتي ولدى من تادلا وآخذ منه ما أقضى به الدين الذي علىّ ، ثم جاء ابنه بعد يومين وأخذ منه ثمانية عشر دينارا فقضى بها دينه ثم مرض ومات رحمه اللّه . وحدثني عيسى بن علي قال : حدثني عبد اللّه بن عبد الرحمن قال : دفع إلى عباد ابن إسماعيل بأغمات عشرين دينارا وأمرني أن أشترى له بها سلعة من مدينة فاس . فلما وصلت فاس دخلت في الساقية « 1 » فنسيت بها العشرين دينارا ودخلت إلى أبى زكرياء فوجدت عنده جماعة . فلما أحضر لنا الطعام تذكرت العشرين دينارا التي نسيتها بالساقية ، فامتنعت من الأكل ونالني غم عظيم . فقال لي أبو زكرياء : كل فإني أعطيتك العشرين دينارا من مالي . فقلت له : إني من شأنها في غم عظيم لا يطيب لي الأكل معه . فقال لي : قم إلى التابوت وخذ منه عشرين دينارا . فقمت وأخذتها من تابوته وسكن خاطري وأكلت . فلما أصبح ، أتيته وهو نائم في مصلاه . فأفاق من نومه فقال لي : نمت الساعة فرأيتك في النوم وقلت لي : وجدت العشرين دينارا التي للفقيه عباد . فخرجت من عنده إلى المسجد فجلست مع قوم تأسفوا على ضياع العشرين دينارا وكان معنا رجل يسمع حديثا . فقام عنى وجاءني بالدراهم نفسها وذكر أنه التقطها . قال : فذهبت من فورى إلى أبى زكرياء وأعلمته . فقال لي : جئنى بدراهمى بأعيانها قبل أن تختلط بغيرها . فأتيته بها . فردها إلى موضعها .

--> ( 1 ) في إحدى النسخ الخطية للأصل : « السقاية » أي الصهريج الذي بتجمع فيه الماء ويستقى منه .