ابن الزيات

174

التشوف إلى رجال التصوف

فرأيت رجلا أتى إليه وسلم عليه فقال له أبو يعزى : لم تخون أخاك وتأتى زوجه وهو غائب ؟ فقال له الرجل : أتوب إلى اللّه تعالى من ذلك . قال : وجاءه يوما كتاب أبى شعيب من أزمور يقول له فيه : استر عباد اللّه ولا تفضحهم ! فقال : واللّه لولا أنى مأمور بهذا ما فضحت أحدا ولسترت على الخلق . وقيل له : إن فقهاء فاس أنكروا عليك لمس صدور النساء والنظر إليهن . فقال : أليس يجوز عندهم أن يلمس الطبيب تلك المواضع ويراها للضرورة ؟ فهلا عدونى واحدا من أطبائهم ؟ وأنا إنما ألمس ذوات العاهات للتداوي بذلك . وكان أبو يعزى يقول : خدمت نحوا من أربعين وليّا للّه تعالى ؛ منهم من ساح في الأرض ، ومنهم من أقام بين الناس إلى أن مات . وحدثني محمد بن أحمد الزناتى قال : حدثني أبو علي مالك بن تامجورت قال : كنت أحمل إلى أبى يعزى حملا من زبيب في كل عام من نفيس إلى جبل إيروجان . فمشيت إليه في بعض الأعوام بحمل من زبيب . فدفعته إلى مؤذنه ففرغه في بيت . وقعدت أتحدث معه فقال لي : عسى أن تكلم الشيخ أبا يعزى أن يستر النساس ولا يفضحهم ؛ فإن الرجل جاهل ، لا علم عنده ، فيقول للواصلين إليه : سرقت يا هذا ! وزنيت يا هذا ! وفعلت يا هذا كذا وكذا ؛ فيذكر لكل واحد فعله . ثم انقطع كلامه فنظرته وقد منع من الكلام وكلمته فلم يجبني . فبينما أنا معه كذلك إذ أقبل أبو يعزى وعصاه في يده فسلم علىّ وسألني عن الحال والأهل وجاء إلى مؤذنه ومد يده إلى حلقه يمسح عليه ويقول : يا بنى صدقت ، فأنا جاهل ، لا أعلم إلا ما علمني مولاي . ثم طارت علقة دم من حلقه فتكلم وأخذ يقول : أتوب إلى اللّه تعالى . وأبو يعزى يقول له : مم تتوب يا بنى وأنت قلت الحق ؟ أنا جاهل لا أعرف إلا ما عرفني مولاي . وحدثني غير واحد أن أبا يعزى قدم مراكش بعد عام أحد وأربعين وخمسمائة فحبس في صومعة الجامع أياما ثم خلى سبيله . وكان معه أقراص من دقيق البلوط فكان يجعل معها أوراق اللبلاب ويطحنها . فإذا صلى المغرب أخذ قدر نصف رطل من ذلك فيقتات به وما كان يأكل إلا من نبات الأرض ولا يشارك الناس في شئ من معائشهم ويطعم الواصلين إليه العسل ولحم الضأن والدجاج .