ابن الزيات

175

التشوف إلى رجال التصوف

وذكروا أنه كان في ابتداء أمره راعيا وكان يصنع له كل واحد من أرباب المواشي التي يرعاها رغيفين كل يوم . فكان يأكل رغيفا واحدا ويؤثر بالرغيف الثاني رجلا منقطعا في المسجد لقراءة القرآن . ثم انقطع في المسجد رجل آخر يقرأ القرآن فآثره على نفسه بالرغيف الثاني وجعل يأكل من نبات الأرض . فلما رأى أنه يكفيه النبات عن الطعام قال : ما أصنع بالطعام ونبات الأرض يغنيني عنه ؟ . سمعت محمد بن علي يقول : سمعت أبا عبد اللّه الباجي يقول : رأيت الشيخ أبا يعزى يجمع له الخبازى فيطبخ ويجفف ويرفع فإذا أراد أن يأكل منه جعله في القدر فيأخذ منه لقمة أو لقمتين وهو يزأر كالقاهر لنفسه ويقول لها : ليس لك عندي إلا هذا . وقال : ومررت به يوما وهو يأكل قلوب الدفلى . فناولنيها فوجدتها حلوة . وكان لباسه برنوسا أسود مرقعا إلى أسفل ركبتيه وجبة من تليس مطرّق وشاشية من عزف ، وكان رقيقا طويلا أسود اللون ، وكان إذا جنه الليل دخل شعراء كثيرة السباع فيصعد في أعلى الجبل ، ثم يأتي آخر الليل إلى مسجد والناس يصلون فيه النافلة بإمام فإذا قرب الفجر قال لهم : أوجزوا فقد قرب الفجر . فإذا طلع الفجر أعلمهم بطلوعه وهو معهم في المسجد فيخرجون فيتأملون الفجر فإذا هو قد طلع حتى ظن بعض الحاضرين أنه يرى طلوعه من كوة أمامه في المسجد . فنظر الجدار وليس به كوة . فسأل عن ذلك . فقيل له : هذه عادته ؛ منذ زمن يخبرنا بطلوع الفجر وقت طلوعه . حدثني يوسف بن سليمان قال : حدثني إبراهيم بن ولجوط قال : حدثني ميمون بن وايّور الباروطى قال : زرت الشيخ أبا يعزى فأقمت عنده فجاءت إليه جماعة من المنكرين عليه من أهل فاس فخرج مع جماعة إلى لقائهم بالغابة . فلما رأوه نزلوا عن دوابهم ليسلموا عليه . فخرج من الشعراء أسد فوثب على أحدهم . فصاح عليه أبو يعزى ودنا منه إلى أن أخذه بأذنيه ونحن ننظر إليه ؛ فقال لأصحابه : اركبوه . فهابوا ركوبه . قال ميمون : فوثبت على ظهره وأجريته مرات والواصلون للإنكار على أبى يعزى ينظرون إلىّ على ظهره وكنت أحس وبره ينفذ من ثوبي إلى جلدي . فأقمت ساعة كذلك ثم نزلت عنه فذهب .