ابن الزيات
168
التشوف إلى رجال التصوف
وأقام على تلك الحالة اثنى عشر عاما . فيقال : إنه يحج في كل عام فلقيه يوما رجل وأصل من الإسكندرية . فسلم على أبى موسى فتنكر له فقال له الرجل : ألم أرك بالإسكندرية ؟ فخجل أبو موسى من قوله واجتمع أهل سلا بالرجل يسألونه . فقال لهم : إنه يحج كل عام حين يغيب عنكم . وحدثني غير واحد قال : مرض أبو موسى مرضه الذي توفى فيه وهو بفندق الزيت ؛ فجاءه أهل سلا فقالوا له : بم تأمرنا في أمرك ؟ فقال لهم : عندي سبعة دراهم تحت فراشي ، وذلك المصحف المعلق ، اشتريته من أجرة حفظ الكروم بالإسكندرية . فبيعوه وأضيفوا ثمنه إلى سبعة الدراهم وجهزونى بها إلى قبرى إن مت . فلما مات - رحمه اللّه - قالت ملالة بنت زيادة اللّه : قد أعددت لكفنه ومؤنة دفنه خمسمائة دينار . فقيل لها : إنه عهد أن لا يكفن ولا يجهز إلى قبره إلا بسبعة الدراهم التي تركها وثمن مصحفه . فقالت لهم : إن لي كفنا أعددته لنفسي صنعته من كتان زرعته في أرض موروثة عن آبائي ، فادفعوا لي في ثمنه دراهمه وثمن مصحفه . فاشتروا منها ذلك الكفن بدراهمه . فلما أخرجوا جنازته إلى المقابر تنازعوا دفنه وقال كل واحد : إنما يدفن في روضتى . واجتمع خلق كثير لجنازته ؛ فطائفة تحمله إلى هذه الجهة وأخرى تحمله إلى جهة أخرى . وطال ذلك بينهم من أول وقت الظهر إلى وقت العشاء الآخرة . وكان الوالي بسلا شديد البأس ؛ فقيل له في ذلك فقال : ما عندي في هذا عمل ، ولولا أن اللّه تعالى يحب هذا الإنسان ما جعل في قلوب الناس حبه . وحدثني عمر بن الحسن بن داود بن عشرة قال : كنت فيمن حضر جنازة أبى موسى وأنا يومئذ شاب ، وكانت لنا أرض محبسة لدفن موتى المسلمين . فحفرت فيها قبرا وأتيت إلى نعشه وقد غلب الظلام فسللته من فوق النعش واعتنقته وحملته إلى ذلك القبر . فدفنته والناس يظنون أنه باق على النعش . فأعلمتهم أنى دفنته بالأرض الحبس . فأقاموا على قبره يسمرون عليه بالليل ويقرءون القرآن بالنهار . فلما كملت سبعة ليال غلبهم السهر . فناموا فما انتبهوا إلا وقد نقل من ذلك القبر إلى قبر حفرته له ملالة في رابطة القدم . وعملت عليه قبة أنفقت عليها خمسمائة دينار [ الطويل ] : تزوّد قرينا من فعالك إنّما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل