ابن الزيات

163

التشوف إلى رجال التصوف

تمرّ بنا الأيّام تحت لجاجة * وما ينقضى لومى عليها ولا عتبى أيا ذات نفسي فارفقى بي فإنّها * لطائف تستولى فتنبى بما تنبى هي العروة الوثقى هي السّنّة الّتى * يمرّ عليها مقتفى أثر الرّكب ولا ترض بالحظّ الخسيس سفاهة * فمثلك من قد حلّ في المنزل الرّحب تجافوا عن الدّار الّتى أصبحوا بها * على غربة واستوطنوا حضرة القرب وإن كان لا ينجيك إلّا ركوبها * فما ذا التّجافى عن مجاورة الرّبّ سمعت أبا الحجاج يوسف بن موسى يقول : رأيت أبا عمرو يحمل خبزه إلى الفرن فيريد تلامذته أن يكفوه حمله فيأبى من ذلك إلى أن قال لهم : ما انتصبت للتعليم إلا لوجه اللّه تعالى ؛ فإذا لقيني منكم أحد فلا يتعرض لخدمتى بشئ فإني أخاف أن تفسد على نيتي . وكان يمر بالأبواب فيجد النساء قد أخرجن الخبز لمن يحمله إلى الفرن فيحمله لهن . وحدثني أحمد بن عيسى الأنصاري قال : حدثني على البرزالى خديم أبى عمرو قال : استدعيت أبا عمرو إلى منزلي وصنعت له طعاما . فقدمت إليه طبق عنب . فأخذ منه حبة . فوضعها في فيه ساعة ثم أخرجها وردها إلى الطبق . وقلت له : كل ! فأبى . فأقسمت عليه . فقال : لا تقسم على ! فما رآني متغيرا قال لي : من أين جاءك هذا العنب ؟ فقلت له : أهداه لي بعض جيراني . فقال لي : ما حرفته ؟ فقلت له : خمار ، يشترى العنب ويعصره ويبيعه مسكرا . ثم قلت له : لم سألتني عن هذا ؟ فقال لي : لما أخذت حبة من هذا العنب ووضعتها بين أسنانى وجدتها أشد من الحجر . فأخرجتها من فمي ورددتها إلى الطبق .