ابن الزيات
160
التشوف إلى رجال التصوف
عبد الحميد واقفا ينتظرني فقلت له : ما لي أراك هاهنا ؟ فقال لي : علمت بوصولك وخرجت لألقاك . قال عبد الكريم بن عبد اللّه : ولقيته يوما بفاس عند حمام أغلان ، فقلت له : عسى أن تدخل معي الحمام : فقال : ما لي إليه من حاجة . فقلت له : إنما أردت أن أخدمك فيه . فوافقنى . فدخلت معه إليه فلما كان وقت تجرده من ثوبه رأيت جلدا على عظم . فلما خرجنا من الحمام ، أخرج من فيه أجرة الحمام فإذا دراهم طرية وكذلك كانت عادته ، متى احتاج إلى شئ مد يده فتناول دراهم طرية . أخبرنا محمد بن علي بن عبد اللّه الأنصاري قال : حدثني الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن عثمان الصنهاجى المعروف بالزرهونى قال : كنت أحضر مع عبد الحميد مجلس أبى الحسن بن حرزهم فدفع إلى يوما خمسة دراهم وقال لي : اشتر لي كبلا بأربعة دراهم ونصف درهم ، واستأجر حدادا بنصف درهم وجئنى بالكبل والحداد إلى الدار . وكانت له دويرة في طرف مدينة فاس اشتراها بأربعة عشر دينارا . فقلت في نفسي : لعله رأى منى ما يقتضى تأديبى ؛ ولم يكن بد من فعل ما أمرني به . فأتيته بالكبل والحداد . فلما دخلنا عليه مد رجليه وأمر الحداد أن يجعل عليهما الكبل . فخفق قلبي خفقة شديدة . فلما خرج الحداد ، دفع إلى درهما وقال لي : ادفعه إلى الخباز وأتنى من عنده كل يوم بخبزة . فكنت آتيه كل يوم بخبزة فأدفعها له . فكنت أنظر إلى وجهه وهو أسمر اللون فأرى لونه يضرب إلى البياض . فأقول : لعل ذلك من كد العبادة وكثرة الأوراد . فدام على تلك الحالة إلى أن مرت عليه ثمانية وعشرون يوما . فبينما أنا أسير ذات يوم في طريق مدينة فاس إذ ناداني أبو عبد اللّه الدقاق : يا عبد اللّه ، ما هذا الذي فعلته مع عبد الحميد ؟ فإني نمت اليوم في القائلة ، فرأيتك في النوم وأنت تجر عبد الحميد بشريط جعلته في عنقه ، فما فعلتما ؟ فتنبهت لكلامه وانطلقت مسرعا إلى دار عبد الحميد فدخلت إليه وأخذت أفتش الدار إلى أن وجدت بموضع منها الثمانية والعشرين خبزة التي أتيته بها فإذا به كان يرميها بذلك الموضع ولا يأكلها . ثم احتلت له في طعام وأتيته به وقلت له : واللّه ، لئن لم تأكله طوعا لأطعمنكه كرها ! أتريد أن تقتل نفسك وأكون شريكك في ذلك ! ففاضت عيناه بالدموع وقال لي وهو يبكى : يا