ابن الزيات
138
التشوف إلى رجال التصوف
مكاني وأكون أنا في مكانك ، وهكذا ينبغي أن يكون المتعلم مع المعلم . فأجابه الأمير إلى ذلك فنزل الأمير عن سريره وجلس عليه أبو الحسن فلازمه وأخذه بسلوك طريق الآخرة وأمره بالورع وضيق عليه في المكسب فلم تتسع حالته إلا لخبز الشعير . فكلم أبا الحسن بعض التجار في أن يأكل عنده فكان قوته عند ذلك التاجر . ثم بعث ذلك الأمير إلى الصحراء فجىء إليه بمال موروث فاتسع عليهما منه قوتهما . ولما أشخص أبو الحكم بن برّجان من قرطبة إلى حضرة مراكش سئل عن مسائل عيبت عليه . فأخرجها على ما تحتمله من التأويل . فانفصل عما ألزمه من النقد وقال أبو الحكم : واللّه لا عشت ولا عاش الذي أشخصنى بعد موتى ! يعنى السلطان . فمات أبو الحكم . فأمر السلطان أن يطرح على المزبلة ولا يصلى عليه وقلد فيه من تكلم فيه من الفقهاء . فدخل على ابن حرزهم رجل أسود كان يخدمه ويحضر مجلسه فأخبر أبا الحسن بما أمر به السلطان في شأن أبى الحكم . فقال له أبو الحسن : إن كنت تبيع نفسك من اللّه فافعل ما أقول لك . فقال : مرني بما شئت أفعله . فقال له : تنادى في أسواق مراكش وطرقها : يقول لكم ابن حرزهم : احضروا جنازة الشيخ الفاضل الفقيه الزاهد أبى الحكم بن برجان ؛ ومن قدر على حضورها ولم يحضر فعليه لعنة اللّه ؛ ففعل ما أمره به . فبلغ ذلك السلطان . فقال : من عرف فضله ولم يحضر فعليه لعنة اللّه . وحدثني غير واحد أنه لما توفى والد أبى الحسن عزم على قسمة ما تركه مع أخيه أبى القاسم . فلما قام إلى ورده اشتغل سره بذللك . فلما أصبح بعث إلى أخيه وقال له : أحضر الشهود لأتصدق عليك بميراثى فأبى عليه . فقال له : إن لم تفعل تصدقت بحظى على الجذماء . فلما رآه عازما على ذلك أتاه بالشهود فتصدق عليه به وقبل منه أبو القاسم الصدقة . وسمعت أبا عمران موسى بن يوسف يقول : أدركت ابن حرزهم وأنا صغير ودعا لي وكان يقول : لن أصوم مع الناس هذا الشهر المستقبل ، يعنى شهر رمضان ، وقد كان صحيحا ليس به بأس ولم يبق إلا ثلاثة أيام أو أربعة من شهر شعبان والناس يتعجبون من مقالته وهو حي وقد قرب رمضان فأدركه الموت قبل دخول رمضان الذي كان يقول إنه لا يصومه مع الناس .