ابن الزيات

139

التشوف إلى رجال التصوف

وحدثني أحمد بن عيسى الأنصاري قال : سمعت أبا الحسن غير مرة يقول : أموت في العام الفلاني ؛ وفي ذلك العام نفسه مات . ولما كان اليوم الذي مات فيه أتى بعض أصحابه فقال له : قدم لي من طعامك لآكل منه فإنه حلال . فقدم له خبزا ولبنا فأكل ؛ ثم مر إلى الحمام وقال لخدمته : لم يبق لكم من خدمتي إلا اليوم ؛ وهم يتعجبون من قوله ثم خرج فأتى منزله ودخل بيته ونام على فراشه مستقبلا فلما حان وقت الصلاة أتاه بعض تلامذته ليوقظه للصلاة فوجده ميتا [ الطويل ] : حياتك أنفاس تعدّ فكلّما * مضى نفس منها تقضّت به جزءا فتصبح في نقص وتمسى بمثله * وما لك معقول تحسّ به الرّزءا تروح وتغدو غافلا كلّ ساعة * ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءا حدثني محمد بن خالص الأنصاري قال : أخبرني أبو الحسن المعروف بأبى قرن قال : دعا لي أبو الحسن بن حرزهم بالعفو والعافية وقال لي : رأيت رب العزة في النوم فقال لي : سل حاجتك . فقلت : أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة . فقال لي : قد فعلت . فما أبالي بشئ يتقى فإن رب العزة قد أمننى ولذلك دعوت لك بهذا الدعاء . قال أبو قرن : فو اللّه ما نالني قط مكروه بحمد اللّه ، ولقد وجدت بركة دعوته لي بذلك الدعاء . وأخبرني الثقة عن عبد اللّه بن عثمان قال : لما حمل أبو الحسن إلى السجن بفاس تواصى سمار السجن أن يكفوا عما كانوا يتكلمون به من الفحش وأن يقطعوا ليلتهم بكلمات من الذكر يسمرون بها . فسمعهم أبو الحسن قد استبدلوا كلامهم بالذكر فقال : قولوا لهم أن يعودوا إلى ما كانوا يتكلمون به قبل هذا . فإن ذكر اللّه تعالى محروس إلا من أهل الذكر خاصة ، وإذا تكلف الذكر غير أهله أتاهم الشيطان وحال بينهم وبين الذكر . فما مرت على السمار ساعة من الليل إلا وهم نيام . وكنا قد أحدقنا بأبى الحسن وهو يقول : قد انطلقت من السجن ! فكنا نسكته ونقول : لا تتكلم بما يتحدث به عنك ، فلهذا وشبهه سجنت . وهو لا يعبأ بكلامنا .