ابن الزيات

104

التشوف إلى رجال التصوف

فقال له : كل ذلك حق موجود . فدخل الماء إلى أن بلغ إبطيه وقال : أيها البحر : أنت خلق اللّه وأنا خلق اللّه ! ثم دعا اللّه تعالى فقال في دعائه : اللهم إنك تعلم أنى فررت من مشاهدة معصيتك ، فأعنى وكن معي حيث أكون فأحس تحت قدميه مثل الأحاريش التي تكون بجوانب البحر وبشاطئه وقد وصل الماء إلى كعبيه ونحو ذلك . فافتتح قراءة القرآن وهو يمشى على ذلك الذي أحس تحت قدميه إلى أن تألمت قدماه من الحفاء فخرج إلى الساحل وقد أجهده الجوع والعطش . فأبصر جثة كالإبل . فأمها فلما وصل إليها وجدها صخرة فحفر عندها ؛ فنبع من تحتها ماء عذب فشرب وتوضأ . وصلى ركعتين . فأذهب اللّه عنه الجوع والعطش . فمشى على الساحل إلى أن وصل الإسكندرية . فإذا به قد سبق السفينة التي كان فيها بأيام كثيرة . ففاته الحج ذلك العام فمر إلى الشام وجال فيه إلى أن دخل مسجدا . فوجد فيه رجلين فما كلمهما ولا كلماه وكل واحد مقبل على صلاته . فلما صلوا المغرب خرج أحد الرجلين ثم دخل عليهما بصحفة فيها ثريد وعليه منديل فاستدعياه للمؤاكلة . فأكل معهما . فلما كان اليوم الثاني ، بعد أن صلوا المغرب خرج الثاني فأتى بمثل طعام صاحبه فأكلوا وردوا الصحفة . فما كان في اليوم الثالث بعد أن صلوا المغرب نظر أحدهما إلى الآخر . فقال أبو زكرياء : وصلتنى النوبة وقد أكلت طعامهما وأفرطت . فخرج عن المسجد وصلى ركعتين فدعا اللّه تعالى وسأله أن لا يفضحه . فالتفت فرأى صحفة كصحفتيهما وعليها منديل . فشكر اللّه تعالى فرفعها إليهما ووضعها بين أيديهما فقالا له : أنت يحيى بن موسى ؟ فقال لهما : نعم . فسلما عليه ورحبا به . فأقام معهما أياما . ثم قال لهما : إني راغب في المقام معكما ولكنني فاتنى الحج وأريد أن أؤدي فريضة الحج وأزور قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم فودعاه وقال له أحدهما : إذا قضيت مناسك الحج فسر إلى بئر زمزم تجد على البئر رجلا أسود متحزما يسقى الناس ، فخذ بإصبعه الفلانية فإنها أمارة بيني وبينه . فلما قضى حجه فعل ما أمره به . فقال له الرجل الذي وجده على بئر زمزم : هل رأيت فلانا ؟ قال له : نعم . فأقبل عليه . فلما صلى معه العتمة قال له : ما حاجتك ؟ قال له : كنت