موفق الدين بن عثمان
8
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
لا ، ولكن حمّلنيها عن السلطان فخر الدين استاداره . فقال الخليفة : إن المذكور أسقطه بن عبد السلام ، فنحن لا نقبل روايته . فرجع الرسول إلى السلطان حتى شافهه بالرسالة ، ثم عاد إلى بغداد وأدّاها . تمسكه بالحق ودقة أحكامه : ومن الأحكام القضائية التي قضى بها ابن عبد السلام ، والتي سجّلها له التاريخ كرمز للعدل والدقة في تطبيق أحكام الشريعة ، حتى صار يضرب به المثل ، ولقّب بحقّ : « سيد الرجال » بيعه لأمراء المماليك ، إذ لم يثبت عنده أنهم أحرار ، ووضع ثمنهم في بيت مال المسلمين ، وصمّم الشيخ على أنه لا يصح لأمراء المماليك بيع ولا شراء ولا نكاح ، وتعطلت مصالحهم لذلك ، واحتدم الأمر ، وكان من جملتهم نائب السلطنة ، فاستثار غضبا ، فاجتمعوا وأرسلوا إلى ابن عبد السلام ، فقال : نعقد لكم مجلسا وننادى عليكم لبيت مال المسلمين . فرفعوا الأمر إلى السلطان ، فبعث إليه ، فلم يرجع ، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة ، فلم يفد فيه ، فانزعج النائب وقال : كيف ينادى علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض ؟ ! واللّه لأضربنّه بسيفي هذا . فركب بنفسه في جماعته ، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده ، فطرق الباب ، فخرج ولد الشيخ ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى ، وشرح لأبيه الحال ، فما اكترث لذلك وقال : يا ولدى ، أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل اللّه . . . ثم خرج ، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منه ، وأرعدت مفاصله ، فبكى ، وسأل الشيخ أن يدعو له ، وقال : يا سيدي إيش نعمل ؟ فقال : أنادى عليكم وأبيعكم . قال : ففيم تصرف ثمننا ؟ فقال : في مصالح المسلمين . قال : من يقبضه ؟ قال : أنا . فتمّ له ما أراد ، ونادى على الأمراء واحدا واحدا ، وغالى في ثمنهم ، فلم يبعهم إلّا بالثمن الوافي ، وقبضه وصرفه في وجوه الخير « 1 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق ص 279 .