موفق الدين بن عثمان
74
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وما دام لها خاطر لا يصفو الذّكر . . وبقاء النفس هو الذي صعّب على العلماء الإخلاص في تعليمه ، فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها ، وصارت الولاية لها ، فإن تحرّكت تحرّك القلب لها ، وإن سكنت سكن من أجلها . وحبّ الدنيا والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع وجودها ، فكيف يدّعى عاقل حالا بينه وبين اللّه - عزّ وجلّ - مع استيلائها ؟ أم كيف يصحّ لعابد أن يخلص في عبادته وهو غير عالم بآفاتها ؟ فإن الهوى روحها ، والشيطان خادمها ، والشّرك مركوز في طبعها ، ومنازعة الحق والاعتراض عليه مجبول في خلقتها ، وسوء الظن وما ينتج من الكبر والدعوى وقلة الاحترام سيمتها ، ومحبّة الصيّت والاستهتار حياتها ويكثر تعداد آفاتها ، وهي التي تحب أن تعبد كما يعبد مولاها ، وتعظّم كما يعظّم ربّها ، فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها ؟ ومن أشفق عليها لا يفلح أبدا ، فيجب على الصادق أنّ كلّ ما تمقته النفوس يعانقه ، وكلّ ما تميل إليه يفارقه ، ويقبل من الذّامّين ذمّهم فيه ، ويقول للمادحين : ما مدحتموه من وراء حجاب ، ويقول لنفسه في كلّ نفس : لا قرّب اللّه مرادك ، وأبعد مرامك ، فنعوذ بالله من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس ، فإن من لمح نزاهتها ورأى لها قدرا ، أو علم أنّ في الوجود أخسّ من نفسه فما عرف نفسه ، فكيف ينزهها ، أو يغضب لها ، أو يؤذى مسلما لأجلها ؟ فيجب اجتنابها كالسّمّ ، وما دامت في وجه القلب لا يصل إلى القلب خير ، لأنها ترس في وجهه ، وكلّما قويت على القلب زاد شرّه ، ونقص خيره ، وما بقي منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها ، والخواطر المذمومة لا تنقطع منها . وقال ، رضى اللّه عنه : لم يصل الأولياء إلى ما وصلوا إليه بكثرة الأعمال ، بل بالأدب . وقال عنه الإمام الشعراني : ما رأيت في لسان الأولياء أوسع أخلاقا منه - أي من أبى السعود بن أبي العشائر - ومن سيدي أحمد بن الرفاعي « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : الطبقات الكبرى للشعرانى ج 1 ص 162 - 165 .