موفق الدين بن عثمان
611
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وحكى عنه أنه حجّ في سنة إلى بيت اللّه الحرام ، ورجع إلى العراق في قافلة ، فاجتاز « 1 » بمكان يعرف برأس العين من بلاد « حلب » ، فصادفه أمير البلدة - وكان ظالما - يقال له : حسام الدين . فقال له : يا شيخ ، انزل أنت والقافلة - وكان الشيخ مقدّما فيها - فنزل الشيخ ونزل الناس ، وجاء العشّار « 2 » فأخذ عادته من أعمال التجار ، ثم جاء الأمير وأعوانه والعشّار لينظروا ما مع الشيخ ، فقال له الأمير : ما معك أيها الشيخ ؟ قال : معي هذا الحمل من الكتب لا غير . قال : فأمر الأمير بعض غلمانه وقال له : افتح هذا الحمل وآتني بما تجده « 3 » من كتب الأدب واللغة والأشعار الرّائقة ، والخطوط الفائقة . فجاء الغلام لفتح العدلين « 4 » ، وتوجّه الأمير ، فدفع الشيخ للغلام دينارين ، وقال له : سألتك بالله لا تفتح هذا الحمل واتركه . قال : فترك الغلام وذهب ، ورحلت « 5 » القافلة . فسأل الأمير الغلام : هل وجدت شيئا ؟ قال : لا . قال : لا بدّ لي من أن انظر في هذا الحمل . ثم أمر برجوع القافلة ، فرجعت ، ثم إنّ الشيخ اعتزل ناحية وصلّى ، ودعا اللّه سبحانه وتعالى ألّا يجعل عليهم سبيلا ، وأن يصرف عنه كيدهم . ثم إنّ الأمير دعاه وقال له : افتح هذا الحمل . ففتحه ، وتقدّم الغلام فأخرج كتاب « الموطّأ » بخطّ ردئ ، ثم أخرج كتابا آخر بخط ردئ ، ثم آخر . . فقال : الظّاهر أنّ جميع الكتب بهذه الخطوط الرديئة ! ثم قال : يا شيخ ، سر في حفظ اللّه تعالى .
--> ( 1 ) اجتاز : مرّ . ( 2 ) العشّار : من يأخذ على السلع مكسا ، أي : ضريبة . ( 3 ) في « م » : « وجدته » . ( 4 ) العدل : نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير . ( 5 ) في « م » : « ورحلة » لا تصح إملائيّا .