موفق الدين بن عثمان

564

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

وحكى « بنان » قال : كنت في مسجد ، وإذا بجماعة من الصّيارف دخلوا في المسجد ومعهم مال كثير ، فنظروا فيه ووزنوه ، فجاء لهم فقير من زاوية المسجد ، وقال : هل من شئ « 1 » للّه تعالى ؟ فقالوا له : فتح اللّه عليك . قال : فانصرف إلى مصلّاه ، فلما انصرفوا جاء الفقير إلى مكانهم ، فوجد كيسا فيه خمسمائة دينار ، فأخذه الفقير ووضعه تحت الحصير ، فافتقد الصيارف المال فوجدوه قد نقص ، فرجع أحدهم للمسجد وطلبه ، فلم يجده ، فسأل الفقير عنه ، فقال : خذه من تحت الحصير ، فأخذه وفتحه وأخرج « 2 » منه عشرين دينارا ، وقال للفقير : خذ هذه . فأبى أن يقبلها . فقال له : إنك سألتنا الساعة درهما ولم تعطه « 3 » ، وقد دفعت لك عشرين دينارا في هذا الوقت ! فقال له : « لمّا سألتكم درهما لم تعطونى إيّاه لفقرى وفاقتي ، وأنتم الآن دفعتم ذلك لي لأجل ديني وأمانتي بالدنيا ! » . ولم يقبل منه شيئا . وقال « بنان » : حججت سنة من السنين فرأيت في الطريق جارية ليس معها زاد ولا راحلة ، فقلت لها : أين تذهبين ؟ قالت : إلى بيته . فأخرجت لها من جيب مرقّعتى « 4 » خمسة دنانير وناولتهم لها ، فلما وقع بصرها عليهم رمت بهم إلىّ ، ومدّت يدها في الهواء وفتحتها فإذا هي مملوءة ذهبا ! ثم قالت لي : يا « بنان » ، أنت تنفق من الجيب وأنا أنفق من الغيب ! ثم إنها ما زالت معنا حتى ذهبنا إلى مكة ، ورجعت معي إلى مصر . فتوفّيت ودفنت تحت رجليه ، وكانت من العابدات ، واسمها « سعيدة » ، حجّت ثلاثين حجّة راجلة على قدم التّوكّل .

--> ( 1 ) في « م » : « هل شئ » . ( 2 ) في « م » : « وخرج » . ( 3 ) في « م » : « يعطه » . ( 4 ) المرقعة : من لباس الصوفية لما فيها من الرقع .