موفق الدين بن عثمان

546

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

قبر سلطان العاشقين عمر بن الفارض « 1 » : ثم تخرج من هذه التربة إلى تربة الشيخ الصالح المعتقد شرف الدين أبى القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي ، الحموي الأصل ، المصري المولد والدّار والوفاة ، عرف بابن الفارض . كان - رضى اللّه عنه - رجلا

--> ( 1 ) هو الإمام قدوة العارفين ، وسلطان المحبين الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ، تلميذ الشيخ أبى الحسن على البقال ، صاحب الفتح الإلهى والعلم الوهبى ، نشأ في العبادة من حال صغره ، كان مهيبا ، وكان سخيّا معتدل القامة ، وله وجه جميل حسن مشرب بحمرة ظاهرة ، وإذا استمع وتواجد وغلب عليه الحال يزداد وجهه جمالا ونورا ، ويتحدر العرق من سائر وجهه حتى يسيل من تحت قدميه على الأرض ، وكان عليه نور وخفر ، وكان إذا حضر في مجلس يظهر على ذلك المجلس سكون وسكينة ، وكان يحضر مجلسه جماعة من المشايخ والفقراء وأكابر الدولة وسائر الناس وهم في غاية ما يكون من الأدب معه ، والاتضاع له ، وإذا مشى في المدينة يزدحم الناس عليه ، ويلتمسون منه البركة والدعاء ، ويقصدون تقبيل يده فلا يمكّن أحدا من ذلك ، بل يصافحهم . . وكانت ثيابه حسنة ، ورائحته طيبة ، وكان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة ، ويعطى من يده عطاء جزيلا ، ولم يكن يتسبب في تحصيل شئ من الدنيا ، ولا يقبل من أحد شيئا . وبعث إليه السلطان الملك الكامل ألف دينار فردّها إليه ، وسأله الملك الكامل أن يجهز له ضريحا عند قبر أمه في قبة الإمام الشافعي ، فلم يأذن له بذلك ، ثم استأذنه أن يجهز له مكانا يكون مزارا يعرف به فلم يمكّن له في ذلك . قال ابن الفارض : كنت في أول تجريدى أستأذن والدي وأطلع إلى وادى المستضعفين بالجبل الثاني وآوى فيه ، وأقيم في هذه السياحة مدة ليال والها ، ثم أعود إلى والدي لأجل بركته ومراعاة قلبه ، وكان والدي يومئذ خليفة الحكم العزيز بالقاهرة ومصر ، وكان من أكابر أهل العلم والعمل ، فيجد سرورا برجوعى إليه ، ويلزمني بالجلوس في مجالس الحكم ، ثم أشتاق إلى التجريد ، فاستأذنه وأعود إلى السياحة ، وما برحت أفعل ذلك مدّة إلى أن سئل والدي أن يكون قاضى القضاة ، فامتنع ونزل عن الحكم واعتزل الناس ، وانقطع إلى اللّه تعالى في الجامع الأزهر ، إلى أن توفى ، فعدت إلى التجريد والسياحة وسلوك طريقة الحقيقة ، فلم يفتح علىّ بشئ ، فحضرت من السياحة يوما إلى المدرسة السيوفية ، فوجدت شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوءا غير مرتب ، يغسل يديه ثم يغسل رجليه ، ثم يمسح برأسه ، ثم يغسل وجهه . . فقلت : يا شيخ ، أنت في هذه السن في دار الإسلام ، على باب المدرسة بين الفقهاء ، وأنت تتوضأ وضوءا خارجا عن ترتيب الشرع . . فنظر إلىّ وقال : يا عمر ، أنت ما يفتح عليك بمصر ، وإنما يفتح عليك بمكة - شرفها اللّه تعالى - فاقصدها ، فقد آن لك وقت الفتح . . فعلمت أن الرجل من أولياء اللّه تعالى ، وأنه يتستر بالمعيشة وإظهار الجهل ، فجلست بين يديه وقلت : يا سيدي : أين أنا وأين مكة ؟ ولا أجد ركبا ولا رفيقا في غير أشهر الحج ؟ فنظر إلىّ وأشار بيده وقال : هذه مكة أمامك . فنظرت مكة