موفق الدين بن عثمان

428

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

تلك الليلة فوجد لفراقها ألما عظيما ، ولزم الوساد من ألم فراقها ، فلما كان بعد أيام قلائل تفقده الإمام أشهب في الحلقة فلم يجده ، وكان الإمام محبّا له ، فسأل عنه فقيل : هو مريض ، فقام وجاء إلى منزله فطرق الباب ، فلم يجبه أحد ، فعالج الإمام الباب حتى فتحه ، ثم دخل إليه فوجده قد أشرف على الموت ، فسأله عن سبب مرضه ، فلم يجبه بشئ ، فلم يزل به حتى أخبره وقصّ عليه القصة . فقال له : ومن الذي شراها « 1 » ؟ فقال له . الأمير محمود بن سالم وهو صاحب الجامع « 2 » الذي بسفح الجبل . فقام الإمام إلى الأمير « 3 » محمود هو وجماعته من الطلبة فدخل عليه ، وسلّم عليه وعظّمه ، واستعرض حوائجه وسأله عن سبب حضوره عنده ، فأخبره خبر الفقيه وما وجد من فراق الجارية ، فقال له الأمير : إنّ جميع ما يراه الشيخ لها ، وإنّ ولدى يدخل عليها في هذه الليلة . فقام الشيخ وأراد الانصراف ، وإذا بولد الأمير قد دخل ، فلما رأى الشيخ أخبره أبوه خبر الجارية ، وكان الولد من أهل الخير والصلاح ، فقال الصّبيّ للشيخ : إنّ الجارية وما جهّزت به ، الجميع للفقيه كرامة لمجىء الشيخ . ثم حملت وما معها إلى بيت ذلك الفقيه ، فأصبح كأنّما نشط من عقال . قال الفقيه أبو بكر بن عربى المالكي : كان أشهب فصيحا ، حافظا ، ذكيّا ، وكان إذا خطب يسمع لصوته دوىّ . وذكره القاضي عياض في طبقات الفقهاء وأثنى عليه . وكان أكثر الناس معرفة بأقوال مالك . وقال سليمان بن أبي طيبة : نهانا أشهب أن نتخطّى الكتب التي فيها حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال : إيّاكم وأصحاب البدع . قيل له : وما أصحاب البدع ؟ قال : الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وقدرته وعلمه ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون .

--> ( 1 ) شراها : اشتراها . ( 2 ) في المصدر السابق : « اشتراها ابن محمود صاحب الجامع » . ( 3 ) في « م » : « الإمام » مكان « الأمير » تحريف .