موفق الدين بن عثمان

427

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

ثم تجهز ابن القاسم وخرج إلى مكة ماشيا ، وخرج أشهب ماشيا ، وخرج معه عبد اللّه بن وهب ، وخرج معه سحنون . وكان أشهب يمد سماطا عظيما بطول الطريق ، وكان ابن وهب يمد سماطا دونه ، فيطعمون الناس ، وكان ابن القاسم لا يحضر من ذلك شيئا . فقال ابن وهب لأشهب : هل لك أن تحضر ابن القاسم طعامك ؟ فقال : افعل ما بدا لك من الأمر إن قدرت على ذلك ، فجئت إلى ابن القاسم وقلت له : هل لك أن تحضر بنا على طعام أشهب ؟ فسكت ، فما زلت به حتى أنعم بالمجىء ، فجاء وجلس ، وجلس أشهب إلى جانبه ، وجلست أنا ، فلما قدّم الطعام نظر ابن القاسم إلى الملح ، وجعل أصبعه فيه ثلاثا ثم قام وانصرف ، ولم يجسر عليه منا أحد « 1 » . فلما خلوت به قلت له : لم اقتصرت على الملح وحده ولم تأكل غيره ؟ فقال : إنّي لا أعلم فيه شبهة . وقال ابن النحوي : كان الإمام أشهب فقيها ، عالما ، زاهدا ، ورعا ، محدّثا ، خطيبا ، يعدّ من الفقهاء والمحدّثين والمتصدرين للخطابة ، وكان إذا خطب تصدع خطبته القلوب لفصاحته وبلاغته . وحكى عنه الجوهري الواعظ قال : كان إنسان من طلبته ، وكان من الفضلاء ، وكان له والد ، فمات وخلف مائة دينار ، وكانت نفسه تتوق إلى النساء ، فاستشار رجلا من أصحابه في الزواج ، فقال له : عليك بشراء جارية ، فذهب إلى سوق الرقيق فوجد جارية كأنها البدر ، وينادى عليها بمائة دينار ، فاشتراها بما معه من المال وجاء بها إلى منزله ، ولم يكن معه ما ينفق عليها ، فأقامت عنده عشرة أيام فشاهدت ضيقا عظيما ، وافتتن هو بحبها ، فطلبت منه [ أن يبيعها في ] السوق « 2 » ، فنزل بها على كره وباعها ، ورجع إلى منزله ، فبات

--> ( 1 ) أي : لم يجرؤ منا أحد أن يكلمه في ذلك . ( 2 ) ما بين المعقوفتين من عندنا ، ولم يرد في « م » . . وفي الكواكب السيارة فقالت له : « إمّا أن تعيدنى إلى السوق أو أقتل نفسي » . [ انظر المصدر السابق ص 38 ] .