مجد الدين ابن الأثير

352

المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات

ويرتبط بهذا شواهد من المأثور العربي حول لفظ « عبر » و « غبر » . وهما يدخلان في التعابير المجازية والكنى : « بنو غبراء » و « أبو تراب » ؛ ولربما كان في ذلك آثار اتصال بآداب الجيران من النصارى واليهود الذين قالوا بأن الإنسان خلق من تراب ، وهو ما قال به الإسلام لاحقا ، فيما لم يكن لدى عرب الجاهلية من الوثنيين مثل هذا المفهوم ، قال طرفة : « 1 » رأيت بني غبراء لا ينكرونني * ولا أهل هذاك الطراف المدد وقد فسر الزوزني « بني الغبراء » بأنهم الفقراء ، وكذلك الجوهري في « الصحاح » ؛ وفسّرها ابن الأثير في « المرصع » بأنهم المحاويج . وفي تفسير جديد أنها تعني اليهود « 2 » . ولا بد أن طرفة شاهد على أن مثل هذا المعنى ربما قد استعير من كتابيي العرب . ولذا فإنا نرى الأرض تكنى بأم آدم ، وأم صبّار ( الحرّات والحصى ) ، وأم عبيد ، وأم خلاوة . أما « أم كفات » فهو تعبير إسلامي مأخوذ من الآية القرآنية : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً [ المرسلات : 25 ] وفي هذا ميل إلى توحيد الثقافة العربية السابقة على الإسلام واللاحقة له . ومن نتائج تقديس علاقة الأرض ( الأم ) بالسماء التي تدرّ الماء فتكتسب الأرض خصوبتها ، كان تقديس الأشجار ، ومنها : ذو النخيل ، وذات نوط ( أنواط ) ، والعزّى التي يقال إنها كانت شجرة تعلق عليها الهدايا « 3 » ، كما كان أهل نجران قبل اعتناقهم المسيحية يعبدون نخلة طويلة ، يعلقون عليها الأثواب الحسنة وحلى النساء في عيدهم « 4 » . ويلاحظ أن الشجرات المقدسة كانت عبادتها في الأماكن المنعزلة إما في الحرم أو في الأرض الخصبة ، فقد منع قطع شجرها ، ولم يرو أنها

--> ( 1 ) معلقة طرفة بشرح الزوزني ص 63 . ( 2 ) كمال الصليبي ، التوراة جاءت من جزيرة العرب : 238 - 239 . ( 3 ) ابن الكلبي ، الأصنام : 24 . ( 4 ) ابن هشام ، السيرة 1 : 33 .