مجد الدين ابن الأثير

77

المختار من مناقب الأخيار

نفسي : هذا الفتى من الصّوفية ، يريد أن يكون كلّا على الناس في طريقهم ، واللّه لأمضينّ إليه ولأوبّخنّه ، فدنوت منه ، فلمّا رآني مقبلا قال : يا شقيق ، اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [ الحجرات : 12 ] ثم تركني ومضى . فقلت في نفسي : إن هذا الأمر عظيم ، قد تكلّم على ما في نفسي ، ونطق باسمي ، ما هذا إلا عبد للّه صالح ( * لألحقنّه ، ولأسألنّه أن يحاللني . فأسرعت في إثره ، فلم ألحقه ، وغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة « 1 » ، فإذا * ) « 2 » به يصلّي ، وأعضاؤه تضطرب ، ودموعه تجري ، فقلت : هذا صاحبي ، أمضي إليه واستحلّه . فصبرت حتى جلس ، وأقبلت نحوه ، فلمّا رآني مقبلا ، قال : يا شقيق ، أتل : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] ثم تركني ومضى . فقلت : إن هذا الفتى لمن الأبدال ، قد تكلّم على سرّي مرتين . فلما نزلنا زبالة « 3 » إذا بالفتى قائم على البئر ، وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء ، فسقطت الرّكوة من يده في البئر ، فرأيته قد رمق السّماء ، وسمعته يقول : أنت ريّي « 4 » إذا ظمئت من الما * ء وقوتي إذا أردت الطعاما اللّهمّ سيدي مالي سواها فلا تعدمنيها . قال شقيق : فو اللّه ، لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها ، فمدّ يده فأخذ الرّكوة وملأها ماء ، وتوضّأ ، وصلّى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل ، فجعل يقبض بيده ، ويطرحه في الرّكوة ويحرّكه ويشربه . فأقبلت إليه ، وسلّمت عليه . فردّ عليّ السّلام ، وقلت : أطعمني من فضل ما أنعم اللّه به عليك . فقال : يا شقيق ، لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنّك بربّك . ثم ناولني الرّكوة ،

--> ( 1 ) واقصة ، ماء لبني كليب ، وهي من عمل المدينة . معجم ما استعجم 4 / 1365 . ( 2 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( 3 ) زبالة : منزل بطريق مكة من الكوفة ، وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية . معجم البلدان . ( 4 ) في الأصل وصفة الصفوة : ربي . وأثبت الملائم للمعنى .