مجد الدين ابن الأثير

78

المختار من مناقب الأخيار

فشربت منها ، فإذا سويق وسكّر ، فو اللّه ما شربت قطّ ألذّ منه ، ولا أطيب ريحا ، فشبعت ورويت . وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ، ثم لم أره حتى دخلنا مكة ، فرأيته ليلة إلى جنب قبّة الشّراب يصلّي في نصف الليل بخشوع وأنين وبكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل . فلمّا رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبّح اللّه ، ثم قام فصلّى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعا ، وخرج فتبعته ، وإذا حاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطّريق ، ودار به النّاس من حوله يسلّمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم . فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيّد « 1 » . وقال الحسن بن محمد العلوي : حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السّنديّ [ بن شاهك ] فسألته أخته أن تتولى حبسه ، ففعل ، فحكي لنا أنها قالت : كان إذا صلّى العتمة حمد اللّه ومجّده ، ودعاه فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال الليل ، قام فصلّى حتى يصلّي الصّبح ، ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضّحى ، ثم يتهيّأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزّوال ، ثم يتوضّأ ويصلي حتى يصلّي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلّي المغرب ، ثم يصلّي ما بين المغرب والعشاء ، وكان هذا دأبه . وكانت أخت السّنديّ إذا نظرت إليه قالت : خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل « 2 » . وقال أحمد بن إسماعيل : بعث موسى بن جعفر إلى أمير المؤمنين الرّشيد من الحبس برسالة فكانت : إنّه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 185 ، 186 . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 31 ، تهذيب الكمال 29 / 50 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .