مجد الدين ابن الأثير

76

المختار من مناقب الأخيار

قال : فكتب أبو الحسن اسمه واسم مولاه فدفعه إليّ ، وقال : يا بني ، احتفظ بهذه الرّقعة حتى أسألك عنها . قال : فوردنا إلى ضياعه ، وأقام بها ما طاب له ثم قال : امضوا بنا إلى زيارة البيت . فخرجنا حتى وردنا مكة . فلمّا قضى أبو الحسن عمرته دعا صاعدا ، فقال : اذهب فاطلب لي هذا الرجل ، فإذا علمت بموضعه فأعلمني حتى أمشي إليه ؛ فإنّي أكره أن أدعوه والحاجة لي . قال صاعد : فذهبت حتى وقفت على الرّجل ، فلمّا رآني عرفني ، فسلّم علي ، وقال لي : أبو الحسن قدم ؟ قلت : لا . قال : فأيّ شيء أقدمك ؟ قلت : حوائج ، وكان قد علم بشأنه « 1 » ، فتبعني ، وجعلت أتقصّى منه ، ويلحقني بنفسه ، فلمّا رأيت أني لا أتفلّت منه مضيت إلى مولاي ، ومضى معي حتى أتيته ، فقال : ألم أقل لك لا تعلمه ؟ فقلت : جعلت فداك ، لم أعلمه . فسلّم عليه ، فقال له أبو الحسن : غلامك فلان تبيعه ؟ قال له : جعلت فداك ، الغلام لك والضّيعة ، والجميع مالك « 2 » . قال : أما الضّيعة فلا أحبّ أن أسلبكها ، وقد حدّثني أبي عن جدي : « أن بائع الضيعة ممحوق ، ومشتريها مرزوق » . فجعل الرجل يعرضها عليه مدلا بها ، فاشترى أبو الحسن الضّيعة والرّقيق منه بألف دينار ، وأعتق العبد ، ووهب له الضّيعة « 3 » . وقال شقيق بن إبراهيم البلخي : خرجت حاجّا في سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلت القادسيّة ، فبينا أنا انظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم ، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السّمرة ، يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان وقد جلس منفردا ، فقلت في

--> ( 1 ) في تاريخ بغداد ، وتهذيب الكمال : وكان قد علم بمكانه بساية . وساية : اسم واد بحدود الحجاز ، وبه عدة قرى ، وعدة عيون . ( 2 ) في تاريخ بغداد ، وتهذيب الكمال : وجميع ما أملك . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 29 ، 30 ، تهذيب الكمال 29 / 47 ، 48 .