مجد الدين ابن الأثير

75

المختار من مناقب الأخيار

وكان أحسن الناس صوتا ، فقال : عليّ بموسى بن جعفر . فجئته به ، فعانقه وأجلسه إلى جانبه ، وقال : يا أبا الحسن ، رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في النوم يقرأ عليّ كذا ، فتؤمّني أن تخرج عليّ أو على أحد من ولدي ؟ فقال : واللّه ، لا فعلت ذاك ، ولا هو من شأني . قال : صدقت يا ربيع ، أعطه ثلاثة آلاف دينار ، وردّه إلى أهله إلى المدينة . قال الرّبيع : فأحكمت أمره ليلا ، فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق « 1 » . وقال عبد الرحمن بن صالح : حجّ هارون الرشيد ، فأتى قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم زائرا له ، وحوله قريش وأفياء القبائل ، ومعه موسى بن جعفر . فلمّا انتهى إلى القبر ، قال : السلام عليك يا رسول اللّه ، يا بن عمّ - افتخارا على من حوله - فدنا موسى بن جعفر ، فقال : السّلام عليك يا أبة . فتغيّر وجه هارون ، وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن جدّا « 2 » . وقال محمد بن موسى : خرجت مع أبي إلى ضياعه ، فأصبحنا في غداة باردة وقد دنونا منها ، وأصبحنا عند عين من العيون ، فخرج علينا من تلك الضّياع عبد زنجيّ مستذفر « 3 » بخرقة ، على رأسه قدر فخار يفور ، فوقف على الغلمان ، فقال : أين سيّدكم ؟ قالوا : هو ذاك . قال : أبو من يكنى ؟ قالوا له : أبو الحسن . فوقف عليه ، فقال : يا سيّدي ، يا أبا الحسن ، هذه عصيدة أهديتها لك . قال : ضعها عند الغلمان . فأكلوا منها ، ثم ذهب ، فلم نقل بلغ حتى خرج على رأسه حزمة حطب . فقال : يا سيدي ، هذا حطب أهديته لك . قال : ضعه عند الغلمان ، وهبّ لنا نارا . فذهب فجاء بنار .

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 30 ، 31 ، تهذيب الكمال 29 / 49 . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 31 ، تهذيب الكمال 29 / 49 ، 50 ، وفيهما : هذا الفخر يا أبا الحسن حقا . ( 3 ) أي شدّ مذفريه بخرقة . والذّفرى : عظم في أعلى العنق من الإنسان عن يمين النقرة وشمالها . اللسان ( ذفر ) .