مجد الدين ابن الأثير

481

المختار من مناقب الأخيار

وقال محمد بن بكار : كانت عندنا بمكّة امرأة عابدة ، وكانت لا تمرّ بها ساعة إلّا وهي صارخة ، فقيل لها يوما : إنّا لنراك على حال ما نرى غيرك عليها ، فإن كان بك داء عالجناك . قال : فبكت وقالت : من لي بعلاج هذا الدّاء ؟ وهل قرّح قلبي إلّا التفكّر في نيل معالجته ؟ أو ليس عجيبا أن أكون حيّة بين أظهركم وفي قلبي من الاشتياق إلى ربّي مثل شعل النار التي لا تطفأ حتى أصير إلى الطّبيب الذي عنده برء دائي ، وشفاء قلب قد أنضجه طول الأحزان في هذه الدّار التي لا أجد فيها على البكاء مسعدا « 1 » . * * * اليمن قال محمد بن سليمان القرشيّ : بينا أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في أذنيه قرطان في كلّ قرط جوهرة ، يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة ، وهو يمجّد ربّه بأبيات من الشّعر ، فسمعته وهو يقول : مليك في السماء به افتخاري * عزيز القدر ليس به خفاء فدنوت منه فسلّمت عليه ، فقال : ما أنا برادّ عليك حتى تؤدّي من حقّي الذي يجب عليك . قلت : وما حقّك ؟ قال : أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل « 2 » صلّى اللّه عليه وسلم ، لا أتغدّى ولا أتعشّى كلّ يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضّيف ، فأجبته إلى ذلك ، فرحّب بي ، وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر ، فلمّا قربنا من الخيمة صاح : يا أختاه ، فأجابته جارية من الخيمة : يا لبّيكاه . قال : قومي إلى ضيفنا . فقالت الجارية : حتى أبدأ بشكر

--> ( 1 ) مسعدا : معينا ، أسعده على الشيء : أعانه ، ولا يقال إلا في البكاء . متن اللغة ( سعد ) . والخبر في صفة الصفوة 2 / 281 ، 282 . ( 2 ) في حب الأضياف ، وتقديم القرى .