مجد الدين ابن الأثير

470

المختار من مناقب الأخيار

به « 1 » . فلمّا فاظ « 2 » أغمضته ، ثم تنحّت عن مقعدها عند رأسه ، ورجعت إلى مجلسها تجاهه ، فقالت : يا فلان ، ما حقّ من ألبس العافية ، وأسبغت عليه النّعمة ، وأطيلت له النّظرة أن يعجز عن التّوثّق لنفسه قبل حلّ عقدته ، والحلول بعقوبته ، والحيال بينه وبين نفسه . قال : فأجابها أعرابيّ : إنّا لم نزل نسمع أنّ الجزع إنّما هو للنّساء فلا يجزعنّ رجل بمصيبة بعدك ، ولقد كرم صبرك ، وما أشبهت النساء . فأقبلت عليه بوجهها ، ثم قالت : ما ميّز رجل بين الصبر والجزع إلّا أصاب بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حاليهما . أمّا الصّبر فحسن العلانيّة ، محمود العاقبة . وأمّا الجزع فغير معوّض مع مأثمه . ولو كانا رجلين في صورة كان أولاهما بالغلبة وحسن الصّورة مع كرم الطّبيعة في عاجلة من الدّين ، وآجلة من الثّواب ، وكفى ما وعد اللّه فيه لمن ألهمه إيّاه « 3 » . رحمة اللّه عليها ورضوانه . * * * القدس قال [ أبو ] جعفر السّائح : رأيت عجوزا في بيت المقدس تقول : حججت ماشية اثنتي عشرة حجّة ، ما ركبت فيها ، أشتري كلّ سنة بأربعة دراهم سقطا « 4 » فيكون ذلك زادي في ذهابي ومنصرفي . قال : فقلت لها : في بيت المقدس مثلك من المتعبّدات ؟ فذكرت نسوة يفعلن مثل ما تفعل ،

--> ( 1 ) قال محقق صفة الصفوة 4 / 396 : أي أنه في حال من الإعياء أو الكرب الشديد . وهذا التعبير شائع في أساليب القدماء . انظر مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج 17 . ( 2 ) فاظ : مات . وفي ( ب ) : « فاض » وهما بمعنى . انظر معجم متن اللغة ( فوظ ) . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 396 . ( 4 ) السقط : ما لا خير فيه من الطعام . معجم متن اللغة ( سقط ) .