مجد الدين ابن الأثير

465

المختار من مناقب الأخيار

الأسرار فعرفتك . ثم قالت : انظر من خلفك . فأدرت وجهي ، فلا أدري السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها « 1 » . رحمة اللّه عليها . * * * وقال أبو الأشهب السائح : بينا أنا في الطّواف إذا بجويرية قد تعلّقت بأستار الكعبة ، وهي تقول : يا وحشتي بعد الأنس ، ويا ذلّتي بعد العزّ ، ويا فقري بعد الغنى . فقلت لها : مالك ؟ أذهب لك مال ، أو أصبت بمصيبة ؟ قالت : لا ، ولكن كان لي قلب فقدته . قلت : وهذه مصيبتك ؟ قالت : وأيّ مصيبة أعظم من فقد القلوب ، وانقطاعها عن المحبوب ؟ فقلت لها : إنّ حسن صوتك قد قطع « 2 » على من سمع الكلام الطّواف . فقالت : يا شيخ ، البيت بيتك أم بيته ؟ فقلت : بل بيته . قالت : فالحرم حرمك أم حرمه ؟ فقلت : بل حرمه . قالت : فدعنا نتدلّل عليه على قدر ما استزارنا إليه . ثم قالت : بحبّك لي إلّا رددت عليّ قلبي . فقال : فقلت : من أين تعلمين أنّه يحبّك ؟ فقالت : جيّش من أجلي الجيوش ، وأنفق الأموال ، وأخرجني من دار الشّرك ، وأدخلني في التّوحيد ، وعرّفني نفسه بعد جهلي إيّاه . فهل هذا إلّا لعناية ؟ قلت : وكيف حبّك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجلّه . قلت : وتعرفين الحبّ ؟ قالت : فإذا جهلت الحبّ أيّ شيء أعرف ؟ إنّه لحلو المجتنى « 3 » [ ما اقتصر ] ، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا ، وفسادا معطّلا . وهي شجرة غرسها كرمه « 4 » ومجناها لذيذ - ثم ولّت وأنشأت تقول : وذي قلق لا يعرف الصّبر والعزا * له مقلة عبرى أضرّ بها البكا

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 417 ، 418 ، روض الرياحين 518 ( الحكاية 477 ) . ( 2 ) في ( أ ) : « عطّل » . ( 3 ) في ( أ ) : « المجتبى » . ( 4 ) في ( أ ) : « كرمة » . وفي صفة الصفوة : « كريه » .