مجد الدين ابن الأثير

466

المختار من مناقب الأخيار

وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضّنى ولا سيّما والحبّ صعب مرامه * إذا عطفت عنه العواطف بالغنا « 1 » * * * وقال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطّواف ، فإذا أنا بجارية تطوف وتقول : أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا ويبدو فأفنى ثم أحيا به لم * فيسعدني حتى ألذّ وأطربا قال : فقلت لها : يا جارية ، أما تتّقين اللّه تعالى ، في مثل هذا المكان تتكلّمين بمثل هذا الكلام ! فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد : لولا التّقى لم ترني * أهجر طيب الوسن إنّ التّقى شرّدني * كما ترى عن وطني أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني ثم قالت : يا جنيد ، تطوف بالبيت أم بربّ البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت . فرفعت رأسها إلى السماء ، وقالت : سبحانك ، سبحانك ! ما أعظم مشيئتك في خلقك ! خلق كالأحجار ! ثم أنشأت تقول : يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصّخر وتاهوا فلم يدروا من التّيه من هم * وحلّوا « 2 » محلّ القرب في باطن الفكر فلو أخلصوا في الودّ غابت صفاتهم * وقامت صفات الودّ للخلق « 3 » بالذكر

--> ( 1 ) في صفة الصفوة : « بالفنا » ، والخبر فيه 4 / 418 ، 419 . ( 2 ) في صفة الصفوة : « وخلوا » . ( 3 ) في صفة الصفوة : « للحق » .