مجد الدين ابن الأثير
419
المختار من مناقب الأخيار
كيف أصبحت ، أصلحك اللّه ؟ قال : فاستشهرها وأعظمها منّي ، فلمّا رأيت ذلك قلت : أخي ، سمعت أقسامك البارحة على اللّه ، يا أخي ، هل لك في نفقة تغنيك عن هذا وتفرّغك لما تريد من الآخرة ؟ قال : لا ، ولكن غير ذلك لا تذكرني لأحد ، ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت ، ولا تأتني يا ابن المنكدر ؛ فإنّك إن تأتني شهرتني للناس . فقلت : إنّي أحبّ أن ألقاك . قال : القني في المسجد . وكان فارسيّا . قال : فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحد حتى مات الرجل . قال ابن وهب : بلغني أنّه انتقل من تلك الدار فلم ير ، ولم يدر أين ذهب . فقال أهل تلك الدار : اللّه بيننا وبين ابن المنكدر ، أخرج عنّا الرجل الصالح . * * * وقال محمد بن المنكدر : كانت لي سارية في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أجلس إليها بالليل ، فقحط أهل المدينة سنة ، فخرجوا يستسقون ، فلم يسقوا ، فلمّا كان من الليل صلّيت عشاء الآخرة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم جئت فتساندت إلى ساريتي ، فجاء رجل أسود تعلوه صفرة ، متّزر بكساء ، وعلى رقبته كساء أصغر منه ، فتقدّم إلى السارية التي بين يدي ، وكنت خلفه ، فقام فصلّى ركعتين ، ثم جلس ، فقال : أي ربّ ، خرج أهل حرم نبيّك يستسقون فلم تسقهم ، فأنا أقسم عليك لمّا سقيتهم . قال ابن المنكدر : فقلت : مجنون . قال : فما وضع يده حتى سمعت الرّعد ، ثم جاءت السماء بشيء من المطر أهمّني الرجوع إلى أهلي . فلمّا سمع المطر حمد اللّه بمحامد لم أسمع بمثلها قطّ . قال : ثم قال : ومن أنا ؟ وما أنا حتى استجبت لي « 1 » ، ولكن جدت بحمدك ، وعدت
--> ( 1 ) في ( أ ) : « حيث استجبت » .