مجد الدين ابن الأثير
411
المختار من مناقب الأخيار
اتّصلوا بالواحد الرزّاق ، فشرّدهم في الشّواهق ، وغيّبهم عن الخلائق ، لا تؤويهم دار ، ولا يقرّهم قرار ، فالنّظر إليهم اعتبار ، ومحبّتهم افتخار ، وهم صفوة الأبرار ، ورهبان أخيار ، مدحهم الجبّار ، ووصفهم النبيّ المختار : « إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفقدوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا » « 1 » . ثم أنشأ يقول : كن من جميع الخلق مستوحشا * من الورى تسري إلى الحقّ واصبر فبالصّبر تنال المنى * وارض بما يجري من الرّزق واحذر من النّطق وآفاته * فآفة المؤمن في النّطق وجدّ في السّير ممرّا كما * شمّر أهل السّبق للسّبق أولئك الصّفوة ممّن سما * وخيرة اللّه من الخلق قال : فأنسيت الدّنيا عند حديثه ، ثم ولّى هاربا ، وأنا متأسّف عليه « 2 » . رحمة اللّه عليه . * * * وقال جعفر الخلدي : رأيت رجلا ملتفّا في عباءة نهارا طويلا ، ثم ثار ووثب ، ورفع رأسه إلى السماء ، فقال : أيّما أحبّ إليك أن تطعمني مضيرة « 3 » وفالوذجا « 4 » وإلّا كسرت قناديلك ؟
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة 2 / 1320 ( 3989 ) في الفتن : باب من ترجى له السلامة من الفتن ، عن معاذ بن جبل ، وفي إسناده عبد اللّه بن لهيعة وهو ضعيف ؛ وعيسى بن عبد الرحمن وهو متروك . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 248 ، وروض الرياحين 99 ( الحكاية رقم 25 ) . ( 3 ) المضيرة : مريقة تطبخ باللبن المضير ، وربما خلط بالحليب ، أو هي أن يطبخ اللحم باللبن الصريح ؛ وهي تشبه ما يسمّى اليوم بالشاكرية . انظر معجم متن اللغة ( مضر ) . ( 4 ) الفالوذ : حلواء تسوّى من لباب الحنطة ، معرّب بالوزة ، وتسمّى فالوذق وفالوذج ، وتعرف اليوم باسمها الفارسي بالوزة . معجم متن اللغة ( فلذ ) .